القهيوي يكتب: الأردن ليس على هامش المشهد
ليث القهيوي
ليس مطلوبًا من الأردن أن يكون الأكبر كي يكون مؤثرًا. وليس مطلوبًا منه أن يمتلك ما تمتلكه القوى الكبرى حتى يصبح جزءًا من معادلات المنطقة. ما يحتاجه هو شيء أكثر صعوبة: أن يعرف ما الذي يمكن أن يجعل الآخرين يحتاجون إليه.
ففي عالم تتسارع فيه التحولات، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها وحده، ولا بما تمتلكه من موارد، ولا حتى بموقعها على الخريطة. هناك دول كبيرة تمر في المشهد دون أن تصنعه، ودول أصغر حجمًا استطاعت أن تصبح مؤثرة لأنها امتلكت قيمة لا يمكن تجاهلها. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي للأردن: هل نكتفي بما يمنحنا إياه موقعنا، أم نبني من موقعنا دورًا لا يستطيع الآخرون تجاوزه؟
الهامش ليس مكانًا على الخريطة، قد تكون الدولة في قلب الإقليم، لكنها تبقى على هامشه إذا كان الآخرون يمرون عبرها دون أن يحتاجوا إليها. وقد تكون محدودة الموارد، لكنها تحتل موقعًا مركزيًا إذا أصبحت تمتلك شيئًا يجعل حضورها ضروريًا في حسابات الآخرين.
ولهذا، فإن المشكلة لا تبدأ من سؤال: أين يقع الأردن؟ بل من سؤال أكثر عمقًا: ما القيمة التي يضيفها الأردن إلى ما يحدث من حوله؟
الموقع الجغرافي للأردن يمنحه فرصة استثنائية، لكنه لا يمنحه الدور تلقائيًا. فالموقع يمكن أن يجعل الدولة معبرًا، لكنه لا يجعلها بالضرورة عقدة. ويمكن أن يجعلها قريبة من مراكز القوة، لكنه لا يجعلها بالضرورة شريكًا في صناعة القرار.
هناك فارق كبير بين أن تمر الأشياء عبرك، وبين أن تمر بك؛ في الحالة الأولى تكون الدولة طريقًا وفي الثانية تصبح جزءًا من المعادلة،
وهذا هو التحول الذي يحتاج الأردن إلى التفكير فيه: الانتقال من منطق دولة العبور إلى منطق دولة القيمة.
دولة العبور تستقبل حركة التجارة والأشخاص والخدمات والأفكار، ثم تواصل هذه الحركة طريقها إلى مكان آخر. أما دولة القيمة، فهي التي تضيف إلى ما يمر بها شيئًا جديدًا: معرفة، أو خدمة، أو تقنية، أو تمويلًا، أو كفاءة، أو قدرة على الربط بين أسواق، أو حلًا لمشكلة لا يستطيع الآخرون حلها بالكفاءة نفسها وهنا تتغير قيمة الجغرافيا.
فالممر التجاري لا يصبح مهمًا لمجرد أن القوافل تمر عبره، وإنما عندما يصبح جزءًا من منظومة أوسع تُدار فيه التجارة والخدمات واللوجستيات والمعلومات. والموقع لا يصبح أصلًا إستراتيجيًا حقيقيًا لمجرد قربه من عدة أسواق، بل عندما يستطيع تحويل هذا القرب إلى علاقات إنتاج واستثمار وتبادل يصعب فصلها عنه.
الأردن يمتلك مقومات يمكن أن تسمح له بذلك؛ موقعا جغرافيا حساسا، ورأس مال بشريا متعلما، وخبرة مؤسسية تراكمية، وشبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، وقدرة على العمل في بيئات معقدة، إلى جانب مجتمع يمتلك طاقات وكفاءات تفوق في كثير من الأحيان ما تعكسه المؤشرات الاقتصادية المباشرة. لكن امتلاك هذه العناصر لا يعني أنها تعمل كمنظومة واحدة.
وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية. القيمة الإستراتيجية لا تنتج من جمع المقومات، بل من تركيبها؛ قد تمتلك الدولة موقعًا ممتازًا، لكنها لا تملك اقتصادًا يستثمره. وقد تمتلك كفاءات عالية، لكنها لا تملك بيئة تستبقيها. وقد تمتلك علاقات واسعة، لكنها لا تحولها إلى مصالح اقتصادية طويلة الأمد. وقد تمتلك مؤسسات كثيرة، لكنها لا تتحرك جميعها باتجاه أولوية واحدة. وفي هذه الحالة، تصبح المزايا موجودة على الورق أكثر مما هي موجودة في الواقع.
القوة الحقيقية تبدأ عندما تتوقف هذه العناصر عن العمل كجزر منفصلة، وتبدأ في إنتاج قيمة مشتركة. أن يتحول الموقع إلى منصة والرأس البشري إلى صناعة والعلاقات إلى شراكات والاستقرار إلى ميزة اقتصادية والخبرة المؤسسية إلى قدرة على حل المشكلات. عندها فقط يصبح ما يمتلكه الأردن أكثر من مجرد (مقومات)، يصبح أصلًا إستراتيجيًا.
لكن هناك مستوى أعمق من ذلك كله. الدول المؤثرة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بما يجعل الآخرين بحاجة إليها. وهذا فرق جوهري. أن تمتلك ميناءً أمر مهم، لكن الأهم أن تمتلك منظومة تجعل تجارتك أكثر كفاءة من دونها. أن تمتلك كفاءات بشرية أمر مهم، لكن الأهم أن تصبح بيئتك منتجة للمعرفة والخدمات التي يحتاجها الآخرون. أن تمتلك علاقات سياسية واسعة أمر مهم، لكن الأهم أن تتحول هذه العلاقات إلى جسور لمصالح متبادلة يصعب الاستغناء عنها.
القيمة الأعلى ليست في أن تقول الدولة: (نحن مهمون)، القيمة الأعلى أن يصل الآخرون إلى نتيجة مختلفة: (من الصعب أن ننجز هذا من دون الأردن) عندها فقط يبدأ الخروج الحقيقي من الهامش.
فالدور الإقليمي لا يُمنح للدول لأنها تطلبه، ولا يُنتزع بالشعارات، ولا يصنعه مجرد الحضور الدبلوماسي. الدور يُبنى عندما تمتلك الدولة قدرة لا يستطيع الآخرون تعويضها بسهولة. وقد تكون هذه القدرة اقتصادية وقد تكون معرفية وقد تكون لوجستية وقد تكون سياسية وقد تكون مزيجًا من كل ذلك. لكنها في جميع الحالات تقوم على قاعدة واحدة: أن يصبح وجودك منتجًا لقيمة تتجاوز حدودك. وهنا يمكن للأردن أن يعيد النظر في السؤال التقليدي حول حجمه وإمكاناته. فربما لا يكون السؤال الصحيح: كيف نصبح أكبر؟ بل: كيف نجعل قيمتنا أكبر من حجمنا؟
هذا السؤال يفتح مسارًا مختلفًا تمامًا.
فالدولة الصغيرة أو محدودة الموارد لا تستطيع دائمًا منافسة الآخرين في الكمية، لكنها تستطيع أن تنافس في النوعية. لا تستطيع أن تكون أكبر سوق، لكنها تستطيع أن تكون أكثر الأسواق اتصالًا. ولا تستطيع أن تكون أكبر منتج، لكنها تستطيع أن تكون مركزًا للمعرفة والخدمات والكفاءات. ولا تستطيع أن تنافس الجميع في كل شيء، لكنها تستطيع أن تختار المجالات التي تجعلها صعبة الاستبدال.
وهذا يتطلب قبل كل شيء تغييرًا في طريقة التفكير. أن نتوقف عن النظر إلى الموقع باعتباره حدودًا جغرافية، وننظر إليه باعتباره شبكة فرص. وأن نتوقف عن النظر إلى رأس المال البشري باعتباره رقمًا في سوق العمل، ونراه باعتباره أصلًا يمكن تصديره في صورة معرفة وخدمات وحلول. وأن نتوقف عن التعامل مع العلاقات الدولية باعتبارها رصيدًا سياسيًا فقط، وننظر إليها باعتبارها شبكة يمكن أن تُبنى من خلالها استثمارات وأسواق وشراكات جديدة. وأن نتوقف عن قياس النجاح بعدد المبادرات والإستراتيجيات والبرامج، ونبدأ بقياسه بما تغير فعليًا في موقع الأردن داخل محيطه.
فالدول لا تصبح أكثر تأثيرًا لأنها تنتج وثائق أكثر، وإنما لأنها تنتج نتائج تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم. وهنا أيضًا تظهر مسؤولية المؤسسات.
ليست المشكلة أن الأردن يفتقر إلى المؤسسات أو الخطط أو الخبرات. المشكلة الأكثر تعقيدًا هي كيف تتحول هذه العناصر المتعددة إلى اتجاه واحد. فالمؤسسة التي تعمل وحدها تستطيع إنجاز مهمة لكن الدولة التي تعمل كمنظومة تستطيع صناعة موقع، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين إدارة الإمكانات وبناء القوة.
الأردن لا يحتاج إلى أن يدخل كل المنافسات بل يحتاج إلى أن يختار بعناية المساحات التي يمكن أن يصبح فيها صعب الاستبدال، هذه ربما تكون أهم معادلة إستراتيجية أمامه. أن يحدد أين يستطيع أن يكون أفضل من حجمه؟ أين يستطيع أن يقدم قيمة لا يقدمها الآخرون بالكفاءة نفسها؟
وأين يمكن أن تتحول خبرته البشرية وموقعه وعلاقاته واستقراره إلى منظومة واحدة تنتج قيمة تتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي؟. عندها لن يكون السؤال: لماذا لا نملك ما يملكه الآخرون؟ بل سيصبح السؤال أكثر نضجًا: ما الذي يمكن أن نملكه نحن ولا يستطيع الآخرون تعويضه بسهولة؟ وهذا هو الفارق بين دولة تبحث عن مكان في المشهد، ودولة تصنع لنفسها موقعًا داخل المشهد.
الأردن ليس على هامش المشهد ولا يصبح في مركزه لمجرد أنه يريد ذلك. إنه يصبح أكثر تأثيرًا عندما يتحول من دولة يمكن للآخرين أن يمروا بها، إلى دولة يحتاجون إليها؛ ومن موقع جغرافي بين مراكز القوة، إلى حلقة تربط بينها؛ ومن مجموعة مقومات متفرقة، إلى منظومة تنتج قيمة لا يمكن تجاهلها.
فالدول لا تصنع مكانتها بحجمها، ولا بما تقوله عن نفسها، بل بما يجعل الآخرين يحسبون حساب غيابها.. والأردن لا يحتاج إلى أن يكون في مركز كل شيء يكفي أن يصبح في بعض الأشياء التي لا يمكن أن تكتمل من دونه وهناك، تحديدًا، يبدأ الخروج من الهامش.







