الدعجة يكتب : الأردن والصين: شراكة راسخة تمضي بثقة نحو نصف قرن جديد
حسن الدعجة
لا تُقاس متانة العلاقات بين الدول بعدد الاتفاقيات الموقعة فحسب، بل بقدرتها على الصمود أمام التحولات الدولية، وتحويل الثقة السياسية إلى مصالح مشتركة، وإيصال ثمار التعاون إلى حياة الناس. وبهذا المعيار، تبدو العلاقات الأردنية الصينية واحدة من أكثر العلاقات الثنائية رسوخاً واتزاناً في المنطقة؛ فقد حافظت على مسار صاعد منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في 7 نيسان 1977، وتجاوزت اختلاف الجغرافيا والحجم والنظام الاقتصادي لتؤسس نموذجاً يقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون العملي القابل للقياس. وبعد 49 عاماً من ذلك التاريخ، يقترب البلدان من اليوبيل الذهبي لعلاقاتهما وهما يمتلكان رصيداً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً يبعث على ثقة كبيرة بالمستقبل.
بدأ هذا المسار برؤية مبكرة لدى القيادة الهاشمية لأهمية الصين ومكانتها المستقبلية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، زار جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال الصين أكثر من مرة، ورافقه في بعض تلك الزيارات جلالة الملك عبدالله الثاني. ومنذ توليه سلطاته الدستورية عام 1999، زار جلالة الملك عبدالله الثاني الصين ثماني مرات، بما يعكس استمرارية الاهتمام الملكي بهذه العلاقة. وجاءت زيارة أيلول 2015 لتشكل محطة تاريخية، حين أعلن جلالة الملك والرئيس الصيني شي جين بينغ إقامة شراكة إستراتيجية بين البلدين. وقد مرّ على هذه الشراكة في عام 2025 عقد كامل، أثبت خلاله الطرفان أن وصف «الإستراتيجية» ليس تعبيراً بروتوكولياً، بل إطار عمل متنام يشمل السياسة والتجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتعليم والثقافة.
قوة هذه العلاقة تبدأ من الثقة السياسية. فعمّان وبكين تنظران إلى الاستقرار والسيادة واحترام القانون الدولي بوصفها ركائز ضرورية لعالم أكثر أمناً وعدالة. كما تتقاطع مواقفهما في دعم القضية الفلسطينية، والتمسك بحل الدولتين، وضرورة حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية. ويمنح هذا التقارب العلاقات الثنائية بعداً يتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة؛ فالأردن، بما يتمتع به من اعتدال ومصداقية ودور محوري في قضايا المنطقة، يمثل للصين شريكاً موثوقاً في الشرق الأوسط، فيما تمثل الصين للأردن قوة دولية كبرى وصديقاً ثابتاً يدعم الأمن والاستقرار والتنمية. لذلك ظل التنسيق السياسي بين البلدين هادئاً وعميقاً حتى في أكثر المراحل الإقليمية اضطراباً.
أما لغة الأرقام، فتقدم دليلاً واضحاً على اتساع المصالح المشتركة. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 3.6 مليارات دولار في عام 2020، ثم تجاوز 4.4 مليارات دولار في 2021، بزيادة سنوية بلغت 22 %. وفي عام 2024 وصل التبادل التجاري إلى 5.37 مليارات دولار، أي بزيادة تقارب 49% مقارنة بعام 2020. ولم يتوقف الزخم عند ذلك؛ إذ نما حجم التجارة بين البلدين بنحو 21 % على أساس سنوي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025. وأصبحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري للأردن ومصدره الأول للواردات، وهو موقع يعكس حضور المنتجات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد الصينية في قطاعات واسعة من الاقتصاد الأردني.
ولا ينبغي النظر إلى التبادل التجاري من زاوية الحجم وحده، بل من زاوية التكامل. فالأردن يصدّر إلى السوق الصينية البوتاس والأسمدة والفوسفات، إلى جانب منتجات غذائية وزراعية ذات قيمة مضافة مثل التمور وزيت الزيتون، بينما يستورد الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية ومدخلات الإنتاج والسلع التي تدعم التجارة والصناعة والاستهلاك. صحيح أن الميزان التجاري يميل إلى الجانب الصيني، لكن هذه الحقيقة تمثل في الوقت نفسه مساحة نمو واسعة أمام الصادرات الأردنية. فسوق يزيد عدد سكانها على 1.4 مليار نسمة قادرة على استيعاب حصة أكبر من المنتجات الأردنية، ولا سيما الأسمدة والمنتجات الدوائية والغذاء عالي الجودة ومستحضرات البحر الميت. المطلوب هنا هو البناء على الثقة القائمة لتسريع الاعتمادات الفنية، وتعزيز الترويج، وربط المنتجين الأردنيين بمنصات التجارة الإلكترونية والمعارض الصينية الكبرى.
وتقدم الشراكة في قطاع البوتاس مثالاً لافتاً على ما يمكن أن يصنعه الاستثمار طويل الأجل. فقد استحوذت شركة «إس دي آي سي» الصينية على حصة قدرها 28 % في شركة البوتاس العربية مقابل نحو 502 مليون دولار، لتصبح أكبر مساهم فيها. وفي ظل هذا التعاون الاستثماري والتجاري، سجلت شركة البوتاس العربية في عام 2024 أعلى إنتاج سنوي في تاريخها، بنحو 2.84 مليون طن، بزيادة 17 % مقارنة بمستويات عام 2018، كما بلغت مبيعاتها قرابة 2.78 مليون طن، وأسهمت بنحو 1.28 مليار دولار من العملات الأجنبية في الاقتصاد الأردني. وهذه الأرقام تجعل التعاون الأردني الصيني في البوتاس قصة نجاح تتكامل فيها الثروة الطبيعية الأردنية مع رأس المال والخبرة والسوق الصينية، وتخدم في الوقت نفسه الاقتصاد الأردني والأمن الغذائي العالمي.
وفي الطاقة والبنية التحتية، انتقلت الشراكة من الخطط إلى أصول ملموسة. فمحطة العطارات لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي، التي شارك الجانب الصيني في استثمارها وتمويلها وهندستها وتشغيلها، تبلغ قدرتها الصافية 470 ميغاواط، وتجاوزت كلفتها الاستثمارية ملياري دولار. وتكمن أهميتها في استخدام مورد محلي أردني وتنويع مصادر الطاقة، بالتوازي مع حضور شركات صينية في مشروعات طاقة شمسية ورياح تدعم التحول الأخضر. كما يبرز مشروع توسعة وإعادة تأهيل طريق السلط–العارضة، الذي موّلته الصين بمنحة قيمتها 31.5 مليون دولار. ويمتد الطريق 12.5 كيلومتر، واتسع إلى أربعة مسارات بعرض إجمالي يبلغ 18.8 متر، ليخدم الحركة الزراعية والسياحية ويربط الأغوار بالسلط وأطراف عمّان بكفاءة وأمان أكبر.
وتتسع خريطة التعاون لتشمل الصناعة والمناطق التنموية. فقد أسهمت استثمارات صينية في مصانع الملابس والسيراميك، وفي النشاط الصناعي بالعقبة والكرك، في خلق فرص عمل وربط الإنتاج الأردني بأسواق إقليمية وعالمية. كما شاركت شركات صينية في تطوير وإدارة مناطق صناعية في العقبة، مستفيدة من موقع الأردن عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن شبكة اتفاقياته التجارية، واستقراره المؤسسي، وكفاءاته البشرية. وبهذا المعنى، لا تنظر الشركات الصينية إلى الأردن كسوق محلية محدودة، بل كبوابة إنتاج وتصدير وخدمات لأسواق أوسع؛ وهي ميزة تنافسية تستطيع المملكة تحويلها إلى مزيد من المصانع وفرص العمل ونقل المعرفة.
وجاء توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بالبناء المشترك لمبادرة «الحزام والطريق» في عمّان يوم 29 تشرين الثاني 2023 ليمنح التعاون إطاراً أكثر شمولاً. فالمذكرة تربط المبادرة الصينية برؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، وتفتح المجال لتنسيق السياسات، وتطوير البنية التحتية والربط اللوجستي، وتيسير التجارة، وتعزيز الاستثمار والتبادل الشعبي. هذا الالتقاء مهم لأن أولويات الأردن في المياه والطاقة والنقل والتكنولوجيا والتدريب المهني تتوافق مع خبرات صينية واسعة في تنفيذ المشروعات الكبرى، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة. ومن هنا يمكن للمرحلة المقبلة أن تنقل العلاقة من تعاون في مشروعات منفردة إلى محافظ استثمارية متكاملة ذات أثر تنموي طويل المدى.
البعد الإنساني بدوره ليس هامشاً في هذه الشراكة. خلال جائحة كورونا، وقف البلدان معاً في لحظة اختبار عالمية قاسية؛ شارك الأردن في التجارب السريرية للقاح «سينوفارم»، وقدمت الصين اللقاحات والإمدادات والمعدات الطبية. كما شملت أوجه الدعم خلال السنوات الأخيرة تجهيزات للدفاع المدني، من بينها 30 سيارة إسعاف ومركبة إطفاء. وتؤكد هذه الوقائع أن التعاون لا يظهر فقط في أوقات النمو والرخاء، بل يتجسد أيضاً في القدرة على الاستجابة للأزمات وحماية حياة الناس، وهي القيمة الأصدق لمقولة «الصديق وقت الضيق» التي يعرفها الشعبان في ثقافتيهما.
وفي التعليم والثقافة، تتشكل قاعدة اجتماعية متينة للعلاقة. فقد احتضنت عمّان عام 1986 أول مؤتمر للحوار الحضاري العربي الصيني، في دلالة مبكرة على دور الأردن في بناء جسور الفهم بين الحضارتين. واليوم يتعلم أكثر من 600 طالب أردني اللغة الصينية في الجامعات الأردنية، فيما يدرس أكثر من 500 طالب صيني اللغة العربية في الأردن. كما أُرسل أكثر من 600 أردني من قطاعات حكومية وتعليمية واقتصادية واجتماعية إلى الصين للتدريب والدراسة خلال عام 2024. وإلى جانب ذلك، يقدر عدد أفراد الجالية الأردنية في الصين بأكثر من 1500 مواطن بين طلبة ورجال أعمال، ما يخلق شبكة بشرية يومية تنقل المعرفة والخبرة والثقافة في الاتجاهين.
وتكتمل هذه الصورة بحضور الفرق الفنية الصينية في مهرجان جرش، وفعاليات المركز الثقافي الصيني في عمّان، وبرامج المنح الجامعية، والتعاون بين الجامعات، بدأت مسيرة التعاون السياحي بين الأردن وجمهورية الصين الشعبية بتوقيع اتفاقية التعاون الثنائي عام 2003، وتطورت لاحقاً عبر اتفاقيات توأمة حديثة-أبرزها بين البترا وسور الصين العظيم في أيار/ مايو 2026-لتعزيز الجذب السياحي للبترا، وادي رم، البحر الميت، وجرش واستقطاب السياح الصينيين. واليوم تملك المملكة فرصة كبيرة لزيادة حصتها من سوق السياحة الصينية عبر تسهيل الرحلات والبرامج السياحية، وتوفير المحتوى والخدمات باللغة الصينية، والترويج للأردن بوصفه وجهة تجمع التاريخ والدين والطبيعة والأمن في مساحة جغرافية واحدة.
المستقبل يحمل إمكانات أكبر بكثير من المنجز حتى الآن. فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتصنيع المتقدم، وتحلية المياه وإدارتها، والزراعة الذكية، والطاقة المتجددة، والنقل الكهربائي، والتعليم التقني والسياحة العلاجية، كلها قطاعات قادرة على إنتاج موجة جديدة من الشراكات. ويستطيع الأردن أن يقدم للصين بيئة مستقرة، وموقعاً استراتيجياً، وكفاءات شابة، ونفاذاً تجارياً إلى أسواق متعددة؛ فيما تقدم الصين قاعدة صناعية وتكنولوجية وتمويلية هائلة وخبرة استثنائية في تحويل الخطط إلى بنية إنتاجية. هذه المعادلة التكاملية هي جوهر الفرصة المقبلة.
إن متانة العلاقات الأردنية الصينية ليست شعاراً دبلوماسياً، بل حقيقة تؤكدها 49 سنة من التواصل، وعقد من الشراكة الإستراتيجية، و5.37 مليارات دولار من التجارة السنوية، واستثمارات صناعية وتعدينية وطاقة، ومشروعات طرق، ومئات الطلبة والمتدربين، ومواقف سياسية متقاربة. ومع اقتراب الذكرى الخمسين في عام 2027، يملك البلدان فرصة لتحويل المناسبة من احتفال بالماضي إلى منصة لإطلاق عقد جديد من الاستثمار والابتكار والتبادل الإنساني. وما دام الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة هما البوصلة، فإن العلاقات الأردنية الصينية مهيأة لتصبح أكثر عمقاً واتساعاً وتأثيراً، ولتقدم نموذجاً مشرقاً لشراكة دولية تصنع الاستقرار والتنمية وتفتح أمام الشعبين أبواب مستقبل أفضل.
*مستشار معهد الحزام والطريق في جامعة بكين







