العايدي يكتب الدين والوطن: من اختلق الخصومة.. ولمصلحة من؟
د.محمد صبحي العايدي
إذا كان الدين مصلحة وطنية، والوطن مصلحة دينية، وإذا كان كلاهما يحفظ الإنسان ويصون كرامته، فلماذا أصررنا على وضعهما في مواجهة بعضهما؟ لم يكن التعارض بين الدين والوطن نتيجة حتمية في الفكر الإسلامي، وإنما نشأ في العصر الحديث من تداخل تحولات الدولة الوطنية الحديثة، مع قراءات سياسية للدين، وهنا يجب أن نطرح السؤال بصورة أكثر جرأة: من الذي جعل الإنسان يختار بين وطنه ودينه؟
فإذا كان الدين في مقاصده الكبرى، وهو ما عبر عنه الفكر المقاصدي من الغزالي إلى الشاطبي، في مركزية حفظ المصالح ودفع المفاسد، فيأمر بحفظ النفس والمال والعقل والعرض، وإقامة العدل ورفع الظلم، وصون الكرامة، والوفاء بالعهد، وإعمار الأرض، وإذا كان الوطن هو المجال التطبيقي الذي تتحول فيه هذه القيم إلى حياة مشتركة، فأين هو التعارض؟
لم ينشأ الفكر السياسي الإسلامي في الماضي في ظل مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، فقد كان العالم السياسي قائماً على الخلافة والسلطنة والإمارة، والمذهب والجماعة، وكانت الأمة إطاراً دينياً وحضارياً يتجاوز الحدود السياسية، ولذا لم يكن السؤال سابقاً عن الدولة الوطنية التي انتمي إليها، بل عن الجماعة السياسية والدينية والحضارية التي يجب أن ننتمي إليها، ومع ظهور الدولة الوطنية الحديثة تغيرت الخريطة، وأصبح هناك وطن بحدود ودولة ومؤسسات وجنسية ومواطنة وقانون وسيادة إقليمية.
هنا اصطدم الفكر السياسي الإسلامي بسؤال جديد، لم يكن قد صيغ بهذه الصورة، وهو: هل الوطن دائرة انتماء مشروعة، أم أنه بديل عن الأمة؟ وكان يمكن أن تكون الإجابة: الوطن دائرة انتماء إنسانية سياسية، والأمة دائرة انتماء دينية حضارية، لكن الفكر لم يكن دائراً بهذه المرونة، فبعض التيارات الدينية تعاملت مع الوطنية باعتبارها مشروعاً منافساً للأمة، وكأن حب الوطن يعني تفتيت وحدة المسلمين، وبعض التيارات الوطنية المقابلة تعاملت مع الدين باعتباره ولاء عابرا للحدود وبالتالي مصدرا محتملا لمنافسة الدولة.
وهنا حدثت المشكلة حيث أصبح المواطن ممزقاً بين سؤالين:
هل ولائي لوطني أم لديني؟
مع أن السؤال في أصله قد يكون خاطئاً، فالمواطنة ليست عقيدة تنافس الدين، وإنما إطار سياسي وأخلاقي لإدارة الاختلاف والتعايش، حيث يتحول فيه الانتماء إلى مسؤولية، والحقوق إلى التزام متبادل، وليس مطلوباً من الإنسان أن يختار بين دينه ووطنه، أو بين عروبته ومواطنته، أو بين ثقافته وإنسانيته، فالإنسان ليس أحادي الانتماء، ولذا فالنضج الحضاري هو القدرة على إدارة تعدد الانتماءات، دون تحويلها إلى حرب هويات، لأن الدين يمكن أن يؤسس أخلاق المواطنة، والوطن يمكن أن يكون الإطار الذي يمارس فيه القيم والشعائر.
لكن لماذا حدث التنازع؟
ولمصلحة من؟
لأن الصراع على الانتماء هو في جوهره صراع على السلطة وتعريف الهوية، فحين تقول جماعة: نحن نمثل الدين، فإنه لا يحصل فقط على سلطة دينية، بل قد يحصل على سلطة اجتماعية وسياسية، فيصبح الدين وسيلة للسلطة، وقد تتحول من التعبير عن فهم بشري للدين إلى احتكار الدين نفسه، فيصبح الاختلاف معها اختلاف مع الدين، هكذا تنتج التيارات الدينية الصراع على السلطة والهوية باسم الدين.
ولكن إذا كان الدين يحمي الإنسان، فإن الوطن الذي يوفر له الأمن والعدل والكرامة والحقوق يمثل مصلحة إنسانية، تلتقي مع المقصد الديني، وتصبح حماية الوطن من مقتضيات الدين، وإذا كان الوطن يحتاج مواطن صالح، فإن الدين بما يرسخه من أمانة ورحمة ومسؤولية وعدل يمكن أن يكون جزءاً من رأس ماله الأخلاقي، فالقانون يستطيع أن يعاقب السارق، ولكنه لا يستطيع أن يراقب كل ضمير، والدولة تستطيع أن تبني المؤسسات، لكنها لا تستطيع أن تصنع وحدها الأمانة والرحمة والإيثار.
إذن لماذا نصنع الخصومة؟
لأننا نخلط بين ثلاثة أشياء: الدين وتفسيره ومن يتحدثون باسمه، فقد يكون الدين رحمة، لكن بعض المتدينين قد يستخدمه للسلطة والبطش والإقصاء، فتتحول المعركة من كيف يخدم الدين الإنسان؟ إلى من يملك حق تمثيل الدين، والسيطر على الإنسان، بحيث يجعل تبعيته لجماعته أو حزبه أو مذهبه، ولذا عندما يتحول الدين إلى مشروع سلطة يصبح الوطن منافساً له، أما حين يعود الدين إلى وظيفته الأصلية مصدراً للهداية، وضامناً للأخلاق والقيم، هنا يسقط التعارض من أساسه.
*باحث في الفكر الإسلامي







