أبو طير يكتب: توظيف الخصوم في الحرب
ماهر أبو طير
يخرج علينا الصديق المحلل العسكري والسياسي، نضال أبو زيد، ويطرح نظرية مهمة حول الحرب ضد إيران، وسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وما الذي تريده واشنطن تحديدا.
يقول أبو زيد إن واشنطن تريد إيران أضعف من إسرائيل، لكنها إيضا تريد إيران أقوى من دول المنطقة العربية، ويفسر هذا الأمر بكون واشنطن تريد ضمان تفوق القوة العسكرية الإسرائيلية، من جهة، والتحكم بالمنطقة العربية من خلال ضبط السلوك الإيراني، من جهة أخرى، أي أننا أمام حالة توازن في الأهداف على ميمنة المعركة وميسرتها أيضا.
لا يحمل الكلام هنا أي تناقضات، وأبو زيد يجيب في الأساس عن سؤال تلقاه حول ما إذا كانت واشنطن غير قادرة على احتلال إيران، أو إسقاط النظام، وحسم الحرب نهائيا.
من باب إثراء النقاش حول هذه القصة، أعتقد أن ما قاله دقيق جدا، لأن ضمان تفوق إسرائيل مفهوم في الدوافع الأميركية، لكن عدم إنهاء الحرب أو الصراع، حتى الآن، وإضعاف إيران بدلا من حسم الحرب كليا، وتركها أقوى من المنطقة العربية عموما، يراد منه ابتزاز العالم العربي من خلال طلب الحماية، وعقد صفقات السلاح، وتعزيز الوجود الأميركي في المنطقة، وكل هذا لن يحصل ما لم يكن هناك خصم يهدد المنطقة كل يوم ضمن سقوف.
هذا يعني أن واشنطن تنفذ جملة مستهدفات تبدو متناقضة، لأن التحليل السطحي يقول دائما إن واشنطن غير قادرة على حسم الحرب، وبطبيعة الحال هذا كلام غير عميق، لأن الولايات المتحدة تستثمر في الحرب وتطيل أمدها لتحقيق عدة أهداف، من بينها إبقاء إيران خصما يهدد دول المنطقة العربية ضمن حدود معينة، بما يدفع المنطقة إلى الاستغاثة بواشنطن.
المنطقة تتعرض إلى ابتزاز أميركي في ظل هذه الحرب، وهذا يدفعنا للسؤال حول أهمية إدراك الإيرانيين لما تتعرض له المنطقة حتى لا تتحول المنطقة إلى لقمة في فم الأميركيين، وهذا يفرض من جهة ثانية معالجة إيرانية توقف استثمار واشطن للحرب ضد جيرانها.
الثنائية الأميركية الإيرانية طاحنة، وكلفها تتجاوز هذه الثنائية بكثير، وفواتير الصراع تتوزع على دول وشعوب، والمعروف أيضا أن واشنطن تجعل الصراع معلقا حتى الآن حتى تحقق غايات ضد الصين وروسيا وأوروبا بسبب إغلاقات المضائق وإضرار التجارة العالمية وأزمات تدفق النفط والطاقة، وهذه ارتدادات تأخذ العرب في طريقها أيضا، بما يفسر إطالة مدة الحرب والصراع، دون وقفها، رغم إعلان واشنطن مرارا أن المخزون النووي الإيراني تم دفنه، ولم يعد خطرا، فلماذا لا نسمع عن نهاية سياسية أو عسكرية لهذه الحالة؟
منذ بدء الحرب وواشنطن تهدد بحرب واسعة، لكن كل عمليات القصف التي قامت بها أضعفت إيران، ولم تنه الحرب، لأن واشنطن تريد ابتزاز كل المنطقة والسطو على ثرواتها.
من ناحية أخرى، ربما تتجنب واشنطن حسم الحرب عسكريا لمعرفتها أن سقوط إيران يعني تقسيمها ونشوء كيانات عرقية ومذهبية جديدة، وربما نشوب حرب أهلية داخل إيران تؤدي إلى حدوث موجات لجوء إلى جوار إيران، إضافة إلى أن المخزون العسكري الإيراني سيتوزع على تنظيمات في إيران والعراق وسورية وقد يصل إلى لبنان، وبقية دول جوار إيران، مع وجود احتمال بأن يرث النظام الإيراني الحالي قيادات من الحرس الثوري الإيراني، تقرر حرق كل المنطقة، دون أي حسابات سياسية، أو مراعاة لكل قواعد الدبلوماسية والقانون.
لعبة واشنطن في المنطقة باتت مكشوفة، وقد قلت في مقال سابق إن الأميركيين يعدون الأمهر في توظيف الخصوم في أدوار وظيفية حتى من دون رغبة من الخصوم، مثلما تستفيد من الحلفاء، وهذا يعني أن واشنطن تستثمر في العداوات أكثر من التحالفات.







