كراجة يكتب: من يدفع كلفة الجمود؟ رسالة إلى الرئيس محمود عباس
سائد كراجة
سيادة الرئيس،
أكتب إليكم من عمّان، عاصمة الأردنيين الذين عقدوا أوّل مؤتمراتهم في عشرينيات القرن الماضي نصرةً لفلسطين ومقاومةً للاستيطان الصهيوني، ثم ظلّت قيادتهم تجوب العالم دعماً للحقّ الفلسطيني، لا من باب نصرة الأخ، بل تكريساً لوحدة المصير.
ذلك الحرص الأردني على فلسطين وعلى مقاومة المشروع الصهيوني لم يتبدّل لأنّ الجغرافيا لم تتبدّل: ما يجري في الضفة من قضمٍ للأرض وطردٍ للسكان يضربنا في مقتل قبل أن يصل خبره إلى سوانا.
نعرف حجم الضائقة التي تحيط بكم، لكن متى كان النضال الفلسطيني إلا عيناً تقاوم المخرز؟ وإن لم تؤمنوا بالكفاح المسلّح فآمنوا بالكفاح الشعبي: من أسّس المنظمة في المنافي، ومن أيقظ ضمير العالم بدمائه في غزة؟ الاحتلال مهما كان بطشه ليس مبرّراً للجمود بل محرّض على المقاومة.
السلطة بموجب أوسلو كيانٌ انتقالي، والممثّل الشرعي والوحيد هو منظمة التحرير. وإن كان صبركم أملاً بدولة، فقد ضرب الكنيست هذا الأمل في تموز 2024 حين صوّت بثمانية وستين مقابل تسعة ضدّ قيامها، ثم تُرجم ذلك ضمّاً وحرباً على غزة.
لم تعد السلطة شريكاً في تسوية، بل جهاز يدير نتائج الضمّ ويتحمّل غضب الناس؛ وحين توفّر هذا الإطار دون أن تعيد تعريف موقعها، تخفّف كلفة ضم الضفة على المحتلّ.
في أواخر 2024 أنهى الكنيست ترتيب 1967 مع الأونروا التي تحفظ القيد: من هو اللاجئ ومن أين جاء. ثم انتقلت تسوية الأراضي إلى إدارة مدنية بيد سموتريتش، لإسقاط صفة «المؤقت» التي يقوم عليها بطلان الضمّ. وفي الخامس عشر من شباط بدأ تسجيل الأراضي باسم دولة إسرائيل بميزانية 244 مليون شيكل، مستهدفاً 58 % من أرض منطقة «ج»؛ سمّاه سموتريتش «ثورة استيطانية»! وقبلها صادق الكنيست تمهيدياً على قانونَي الضمّ.
والأردن بحكم الجغرافيا شريكٌ في المصير لا جارٌ يراقب. وجمود صاحب الموقف الأصلي يكشف ظهره، فترفع دبلوماسيتنا سقفاً بلا إسنادٍ فلسطيني.
في يدكم أوراقٌ لم تكن في يد أحدٍ قبلكم: فلسطين دولة طرف في نظام روما، ومحكمة العدل قضت في تموز 2024 بعدم شرعية استمرار الاحتلال. بل إنّ تصويت الكنيست اعترافٌ بأنّ الاحتلال دائم لا مؤقّت، أي بمعيار المحكمة غير مشروع. وقّعوا هم على الدليل؛ فلماذا لا يُقدَّم إلى المحاكم؟
سيادة الرئيس، في الأول من تشرين الثاني موعد انتخابات المجلس الوطني. الخطوة الصحيحة في توقيتٍ خاطئ عثرة، ومجلسٌ يُنتخب بلا توافقٍ سابق يمنح الانقسام غطاءً. والوحدة الوطنية أن يقف الجميع خلف برنامج حدٍّ أدنى، فلا يُسأل الفلسطيني عن فصيله قبل حقّه، ولا يُترك ابن المخيّم بين سلطةٍ لا تصله وفصيلٍ لا يحميه. وحين ينقسم أصحاب الحقّ، فإنهم يصطفون مع الخصم.
ولا نطلب ما لا تُطيقون. إسرائيل تنفّذ حرفياً ما فعلته عام 1948: قضم الأرض دون السكان، ومحاصرة الناس لدفعهم إلى الهجرة. فهل نفتح باب تسجيل العقارات لصالح المهجَّرين من المخيمات؟ إجراءٌ يعيد للاجئ اسمه على أرضه، ويقطع الطريق على من يريد محو القيد قبل محو صاحبه.
امتناع الأردن عن التدخّل موقف دبلوماسي منذ الرباط، لا رضى عن الجمود. والتاريخ لا يسجّل النوايا بل يسجل النتائج؛ وأثقل ما نخشاه أن يُسجَّل على صاحب القرار الفلسطيني إسهامٌ غير مقصود فيما تصنعه إسرائيل، وأن تُهدر تضحيات شعبٍ انتزع اعتراف العالم بدمه.
سيادة الرئيس الصمت ليس حياداً، والجمود ليس انتظاراً؛ وفي لحظةٍ كهذه يصير الانتظار فعلاً يُحسب في ميزان الخصم. ومن يشغل الموقع اليوم يملك ما يكفي ليفتح باب النضال الفلسطيني، وأن يحرص ألا يكون في صفّ المستوطنين. وفاءً لفلسطين ولشعبها العظيم، وحرصاً على الأردن الذي يدفع من استقراره ثمن ما يُقتطع من الضفة.
جنابك .







