الحديد يكتب: كيف أجرى حسان التعديل بعيدا عن ضجيج الصالونات السياسية؟
زيدون الحديد
منذ تشكيل حكومته في 18 أيلول 2024 خلفاً لحكومة بشر الخصاونة، بدا أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسّان يقود تجربة مختلفة في إدارة الفريق الوزاري، تجربة لا تقوم على منطق “الوزارة كمكافأة” أو «الحقيبة كترضية سياسية»، بل على معادلة أكثر صرامة: من يعمل بكفاءة يمنح الثقة والصلاحيات، ومن يتعثر يحاسب، ومن يحتاج وقتا ليثبت نفسه يمنح فرصة حقيقية بلا استعجال، فهذه المعادلة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تمثل قطيعة مع عرف حكومي طويل، اعتاد فيه كثير من الوزراء البقاء في مناصبهم بحكم الولاءات أو التوازنات الجغرافية والعشائرية، لا بحكم الإنجاز.
وفي أواخر حزيران، حسم حسان ملف تضارب المصالح المتعلق بوزير العمل خالد البكار، فأوعز بوقف العطاءات المعنية وانتهى الأمر باستقالة البكار، في رسالة واضحة بأن القانون لا يطبق بانتقائية وأن المنصب الوزاري ليس حصانة من المساءلة، وفي المقابل، وفي التعديل الوزاري مطلع آب، اختار حسان مسارا مختلفا وابتعد عن ضجيج الصالونات السياسية التي تبحث عن التوازنات الجغرافية والعشائرية لا بحكم الإنجاز، فبدلا من إقصاء أصحاب الأداء الجيد كما يريدون في الصالونات السياسية، فرقى مهند شحادة ووليد المصري وعينهما نائبين له مع إبقائهما على حقيبتيهما الوزاريتين، بهدف تعزيز قدرتهما على قيادة لجنتي التحديث الاقتصادي والخدمات ومنحهما صلاحيات أوسع لتسريع وتيرة العمل، وهكذا رسم حسان طرفي ميزان واضح وهو لا حصانة لوزير أو غيره بالإضافة إلى أن الأداء الجيد يكافأ بمزيد من الصلاحيات والثقة.
الأهم من ذلك أن حسان لم يتعامل مع كل تعثر أداء بمنطق الإقالة الفورية، فقد أبقى في التعديل الأخير على عدد من الوزراء الذين لم يظهروا حتى الآن أداء لافتا، مفضلا منحهم مزيدا من الوقت بدل الزج بهم في دوامة تبديل مستمرة تربك عمل الوزارات وتمنع أي تراكم في الخبرة، وقد عبر مكتب رئيس الوزراء عن هذا التوجه صراحة، مؤكدا أن الرئيس يحرص على ترسيخ نهج مختلف في إدارة الفريق الحكومي، يقوم على تراكم الخبرة والاستقرار والانسجام بين أعضاء الفريق، ومنح الوزراء الوقت الكافي للعمل وتحمل مسؤولية الملفات التي يتولونها، بدلا من التبديل المستمر، فهذا النهج وإن بدا للبعض تريثا غير مبرر، يعكس في جوهره نضجاً إداريا في الحقيقة، فالوزير الذي يستبدل كل بضعة أشهر لا يملك الوقت الكافي ليتقن ملفه، بينما الاستقرار النسبي يتيح فرصة أكبر لقياس الأداء الفعلي بدل الانطباعات السريعة.
وأخيرا سأضع رأيي وهو أن ما يميز تجربة حسان ليس فقط أنه حاسب وزيرا أو كافأ وزيرين، بل أنه فعل ذلك في مواجهة «ضجيج الصالونات السياسية» الذي عادة ما يفرض نفسه على أي تعديل وزاري، فقبل التعديل الأخير، امتلأت المنصات ومواقع التواصل بتكهنات وأسماء وضغوط تدفع باتجاه تعديل واسع ترضي حسابات جغرافية وعشائرية وحزبية معينة، حتى أن بعض المصادر تحدثت عن توقعات بخروج أكثر من عشرة وزراء ودخول خمسة وزراء جدد، لكن حسان جاء بتعديل محدود ومدروس، اقتصر على استحقاق دستوري واحد دمج وزارتين وتعيين نائبين، رافضا الانصياع لمنطق «التعديل من أجل الترضية» الذي طالما شكل سمة أصيلة في المشهد الحكومي.







