اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: رؤية الملك: شراكة إستراتيجية لتعزيز العلاقات الأردنية الصينية

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


تأتي زيارة الدولة التي يبدأها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية يوم الاثنين المقبل في توقيت يحمل أهمية اقتصادية وإستراتيجية خاصة. فاللقاءات المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو له جي، إضافة إلى ممثلي كبرى الشركات الصينية، تتيح فرصة للانتقال بالعلاقات بين البلدين من التبادل التجاري التقليدي إلى شراكة إنتاجية واستثمارية طويلة الأمد.
 

وتكتسب الزيارة زخماً إضافياً بمشاركة وفد وزاري اقتصادي، وبالاتفاقيات ومذكرات التفاهم المقرر توقيعها في مجالات متعددة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التفاهمات ستقاس بقدرتها على التحول إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، ترتبط بأولويات الاقتصاد الأردني، وتوفر فرص العمل، وتنقل التكنولوجيا، وتعزز الصادرات.
قطعت العلاقات الأردنية الصينية مساراً متقدماً منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1977، وصولاً إلى الشراكة الاستراتيجية، مستندة إلى الثقة السياسية المتبادلة واستقرار الأردن وموقعه الجغرافي وشبكة اتفاقياته التجارية. وبحسب الأرقام المعلنة عن عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 5.37 مليار دولار، ما يعكس متانة الروابط الاقتصادية واتساع حضور المنتجات الصينية في السوق الأردنية.
لكن هيكل التجارة يكشف فرصة كبيرة لتطوير نوعية العلاقة؛ إذ تتركز الصادرات الأردنية إلى الصين في البوتاس والفوسفات ومشتقات الصناعات الكيماوية، بينما يستورد الأردن المركبات والآلات والمنسوجات ومنتجات الحديد وسلعاً مصنعة متنوعة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى العلاقة من زاوية العجز التجاري وحده، بل من حيث قدرتها على زيادة الاستثمار والإنتاج، ورفع القيمة المضافة للصادرات الأردنية، وتشجيع الشركات الصينية على التصنيع في المملكة والتصدير منها إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
يستطيع الأردن أن يقدم للصين ما يتجاوز حجم سوقه المحلية؛ فموقعه يربط بلاد الشام والخليج العربي والبحر الأحمر، كما يمتلك موانئ ومناطق تنموية وصناعية واتفاقيات تجارة حرة تتيح الوصول التفضيلي إلى أسواق واسعة. وهذه المقومات تجعل المملكة منصة واعدة للشركات الصينية الراغبة في تأسيس صناعات موجهة للتصدير.
ومن هنا، يمكن للرؤية الملكية الأردنية أن تركز على استقطاب استثمارات صينية نوعية في الصناعات الكهربائية والإلكترونية، ومكونات المركبات، والطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية والغذائية، والأسمدة المتخصصة، والخدمات الرقمية. ولا يكفي استقطاب رأس المال؛ بل ينبغي أن تتضمن المشاريع التزاماً بالتشغيل المحلي والتدريب ونقل المعرفة وربط المستثمرين بالموردين والشركات الأردنية.
ويمتلك الأردن فرصة للانتقال من تصدير المواد الخام وشبه المصنعة إلى صناعات تحويلية مشتركة مرتبطة بالبوتاس والفوسفات والبروم والأسمدة، بما يزيد القيمة المضافة، ويوسع القاعدة الصناعية، ويرفع تنافسية الصادرات في الصين والأسواق الآسيوية. كما تمثل الخبرة الصينية في الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء والشبكات الذكية والنقل الكهربائي أساساً لتعاون يدعم أمن الطاقة الأردني، ضمن مشاريع مدروسة لا تخلق التزامات مالية غير مستدامة.
ويمكن توجيه التعاون أيضاً إلى تحلية المياه ونقلها، وخفض الفاقد، وهي أولويات وطنية حاسمة. وفي الاقتصاد الرقمي، تتسع الفرص أمام الشراكة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتجارة الإلكترونية والمدن الذكية والخدمات اللوجستية، شريطة توفير أطر تحمي البيانات والأمن السيبراني، وتؤهل الكفاءات الأردنية، وتدعم الشركات الناشئة.
وتعد السوق الصينية فرصة لم تستثمر أردنياً بالقدر الكافي. ويتطلب الوصول إليها تسريع تسجيل المنتجات الأردنية، وتحسين مطابقتها للمواصفات، وتطوير خدمات الشحن والتخزين، وتعزيز المشاركة في المعارض والمنصات الإلكترونية. وإلى جانب الأسمدة والمنتجات التعدينية، يمكن توسيع صادرات الأدوية ومنتجات البحر الميت والأغذية المصنعة والتمور وزيت الزيتون والمنتجات الكيماوية والخدمات الرقمية، مع تطوير علامة تسويقية موحدة وقنوات توزيع مباشرة.
ويظل تطوير العقبة محوراً مهماً في هذا المسار، من خلال رفع كفاءة الموانئ والمناطق اللوجستية وربطها بالمناطق الصناعية والأسواق المجاورة. كذلك، لا تبنى الشراكات الاستراتيجية بالاقتصاد وحده؛ بل تحتاج إلى توسيع المنح الجامعية والتعليم التقني وتبادل الباحثين وتعليم اللغتين العربية والصينية، وإنشاء مراكز بحث مشتركة في المياه والطاقة والزراعة الذكية والتكنولوجيا، فضلاً عن تنشيط السياحة الصينية إلى الأردن.
أما التحدي الأهم فلا يتمثل في نقص الاتفاقيات، بل في ضمان المتابعة والتنفيذ. ولذلك، تحتاج مخرجات الزيارة إلى آلية أردنية صينية دائمة تضم الحكومتين والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية، وتحدد المشاريع ذات الأولوية، والجهات المسؤولة، والجداول الزمنية، ونماذج التمويل، ونسب التشغيل المحلي، والأثر المتوقع على الصادرات.
كما ينبغي إخضاع المشاريع الكبرى لدراسات جدوى اقتصادية وبيئية ومالية شفافة، وتفعيل مجلس الأعمال الأردني الصيني، وإنشاء منصة تعرض الفرص والحوافز والموردين المحليين، مع مؤشرات دورية تقيس التقدم في الاستثمار والتشغيل ونقل التكنولوجيا.
ومن المهم أن تستند الشراكة إلى مبدأ المنفعة المتبادلة، بحيث يحصل المستثمر على بيئة مستقرة وواضحة، ويحصل الاقتصاد الأردني على وظائف نوعية ومعرفة تقنية وفرص تصديرية جديدة. كما ينبغي إشراك غرف الصناعة والتجارة والجامعات في تصميم المبادرات، لضمان اتصالها باحتياجات السوق وقدرتها على الاستمرار بعد توقيع الاتفاقيات وتنفيذها بكفاءة.
تمثل زيارة جلالة الملك فرصة لإعادة صياغة البوصلة الاقتصادية للعلاقة بين البلدين، فالطموح الأردني يتجاوز زيادة أرقام التجارة إلى بناء شراكة متوازنة تحول التدفقات التجارية إلى استثمارات منتجة، وتضع المنتجات والخبرات الأردنية في سلاسل القيمة العالمية. وإذا اقترنت الإرادة السياسية بالتنفيذ المنظم، يمكن للتعاون الأردني الصيني أن يصبح رافعة للنمو والتحديث الاقتصادي، ونموذجاً لشراكة تقوم على المصالح المتبادلة والنتائج الملموسة.

*مستشار معهد الحزام والطريق بجامعة بكين 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية