المجالي يكتب: الموالاة الواعية
حسان سلطان المجالي - مستشار قانوني
في معادلة الوطن قد تكون الموالاة أصعب من المعارضة ، لأن المعارضة حين تتحول إلى موقف دائم قائم على التأزيم والنقد المستمر والتحريض فهي لا تحتاج في كثير من الأحيان إلا إلى التقاط الخطأ وتضخيمه ، أما الموالاة الحقيقية فتحتاج إلى عقل يزن الأمور ، ونفس طويل ، وقدرة على التمييز بين الغث والسمين ، وبين الخلاف السياسي المشروع وبين ما يمس الدولة ومصالحها واستقرارها ....
الموالاة الحقيقية ليست تصفيقاً للحكومة ، ولا دفاعاً عن كل قرار ، ولا تبريراً لكل تقصير كما يريد البعض فهمها ، بل هي موقف وطني مسؤول يرى الإنجاز فيعظّمه ، ويرى الخلل فينتقده ، ويضع النقاط على الحروف عندما ينحرف الأداء أو يصبح القرار محل ضرر على المصلحة العامة ، ولذلك فإن الموالي الحقيقي قد يكون أشد نقداً من المعارض عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن ، لكنه يمارس نقده بعقل ومسؤولية ، لا بانفعال وتأزيم ...
أما المعارضة المطلقة التي ترى السواد في كل شيء ، وتتعامل مع كل حدث باعتباره دليلًا على الفشل ، وتحول الاختلاف إلى خصومة ، والنقد إلى تحريض ، والخلاف السياسي إلى معركة دائمة ، فهي لا تقدم بديلاً بقدر ما تنتج حالة من الإحباط وفقدان الثقة ، وتضعف القدرة على رؤية الواقع كما هو ....
الكلمة المسموعة والنصيحة التي يُعتد بها لا تأتي بالضرورة من أعلى الحناجر صراخاً ، ولا من أكثرها اشتعالاً وتأزيماً ، وإنما من صاحب الرأي الهادئ الذي يعرف متى يؤيد ، ومتى يعترض ، ومتى يصمت ، ومتى يقول بوضوح :
هذا خطأ ويجب تصحيحه ....
الأوطان لا تُبنى بالصراخ ، ولا بالنظرة السوداوية ، ولا باحتراف المعارضة لمجرد المعارضة ، كما أنها لا تُحمى بالتصفيق الأعمى ،، الأوطان تُبنى بالعقلانية ، وبالتمييز بين الدولة والحكومة ، وبين النقد والهدم ، وبين المعارضة الوطنية والتأزيم السياسي ....
رجالات الدولة لا يبحثون عن أسرع تصفيق ، ولا عن أكثر المواقف إثارة للضجيج ، بل يبحثون عن القرار الذي يخدم الوطن حتى لو كان أقل شعبية ، وعن الحقيقة حتى لو كانت قاسية ، وعن المصلحة العامة حتى لو تعارضت مع الحسابات الشخصية والسياسية ....
ولهذا فإن الموالاة التي تستحق الاحترام ليست تلك التي تقول "نعم" دائماً ، كما أن المعارضة التي تستحق التقدير ليست التي تقول "لا" دائماً ....
الوطن يحتاج إلى من يقول "نعم" عندما تكون نعم في مصلحته ، وإلى من يقول "لا" عندما تصبح لا ضرورة لحمايته ، أما من جعل موقفه ثابتاً قبل أن يرى الحقيقة ، فقد اختار الولاء لموقفه وليس للوطن ....
والله المستعان .







