اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مالك العثامنة يكتب:الحكومة الأردنية بين التعديل وإعادة التنظيم

{title}
أخبار الأردن -

لم يكن التعديل الوزاري الأخير في الأردن واسعا بما يكفي لإرضاء من كانوا ينتظرون خروجا ودخولا أكثر، ولذلك بقيت لدى بعض الأوساط قناعة بأن التعديل، بمعناه التقليدي، كان لا يزال واجبا، وأن الحكومة تحتاج إلى تغيير أوسع في الوجوه والحقائب، لكن من زاوية أخرى، قد يكون رئيس الوزراء قد اختار أن يمنح منهجية مختلفة للتعديل فرصة أخيرة، تقوم على إعادة ترتيب البيت الحكومي أكثر مما تقوم على هدمه وإعادة بنائه، خصوصا إذا كان لا يزال يحتفظ بثقته بقدرة كل وزير في فريقه على أداء مهمته ضمن هندسة أكثر وضوحا للمتابعة والمساءلة.

التفصيل الأهم في التعديل لم يكن عدد الوزراء الداخلين والخارجين، بل رفع وزيرين إلى موقع نائب رئيس الوزراء، ليصبح في حكومة جعفر حسان ثلاثة نواب، أيمن الصفدي، ومهند شحادة، ووليد المصري، وهنا تبدأ القراءة الحقيقية، لأن الدستور الأردني يعترف بمنصب نائب رئيس الوزراء، لكنه لا يمنح صاحبه، لمجرد اللقب، سلطة مستقلة على الوزراء، كما لا يحوله إلى رئيس مصغر للحكومة، فالوزير يبقى مسؤولا عن وزارته، ورئيس الوزراء يبقى صاحب الولاية في إدارة مجلس الوزراء، ولذلك فإن قيمة المنصب لا تصنعها الرتبة وحدها، بل ما يوضع تحتها من ملفات وما تمنحه الممارسة من نفوذ تنسيقي.

من هنا يصبح قرار إسناد لجنة التحديث الاقتصادي والتنمية إلى مهند شحادة، ولجنة الخدمات والبنى التحتية والشؤون الاجتماعية إلى وليد المصري، أكثر أهمية من اللقب نفسه، فشحادة لم يصبح فقط وزير دولة للشؤون الاقتصادية يحمل صفة أعلى، بل أصبح في موقع يمكنه من جمع وزارات المالية والاستثمار والتخطيط والصناعة والتجارة والطاقة والنقل والمياه والأشغال وغيرها حول ملفات مشتركة، ومعالجة نقاط التعطيل قبل وصولها إلى مجلس الوزراء، أما المصري فقد انتقل عمليا إلى موقع أوسع من وزارة الإدارة المحلية، لأنه بات في قلب شبكة من الملفات التي تمس الخدمات والبنية التحتية والمحافظات والحياة اليومية للناس، وهي ملفات كان يتولاها أحيانا وبتكليف شخصي من الرئيس قبل التعديل الأخير.

وليس في ذلك ما يستدعي ادعاء التنبؤ، فقد أشرنا في مقال سابق في "المجلة" إلى أن رئيس الوزراء قد يكون بحاجة إلى ذراع مساند في الإدارة المحلية، وإلى وزير قادر على استيعاب تفاصيل المشهد الداخلي سياسيا وإداريا بكل مستوياته، ولم تكن تلك الإشارة يومها قراءة في الغيب بقدر ما استندت إلى معلومات كانت ترشح من دوائر قريبة من الرئيس عن حاجته إلى هذا النوع من التوازن داخل فريقه، ولذلك فإن الموقع الذي آل إليه وليد المصري اليوم يبدو أقل مفاجأة إذا قرئ في هذا السياق، وأكثر اتصالا بمسار كان يتشكل بهدوء داخل طريقة إدارة الحكومة.

هنا تحديدا تظهر قوة نائب رئيس الوزراء في النموذج الجديد، فهي لا تأتي من حقه في أن يأمر وزيرا آخر، بل من قدرته على أن يسأل، ويتابع، ويجمع أطراف الملف، ويعرف أين توقف المشروع ولماذا، ثم يرفع القضية إلى رئيس الوزراء. وقد أصبحت المسؤوليات أكثر وضوحا. وفي الإدارة الحكومية، الشخص الذي يحدد شكل الملف قبل وصوله إلى صاحب القرار يملك نفوذا لا يقل أحيانا عن نفوذ من يملك حق التوقيع نفسه.

قد يكون هذا هو ما يريده جعفر حسان من التعديل، أي الانتقال من حكومة فيها رئيس يتابع عددا كبيرا من الوزراء والملفات مباشرة، إلى حكومة تعمل عبر محاور أكثر وضوحا، الخارجية مع أيمن الصفدي، والاقتصاد والتنمية مع مهند شحادة، والخدمات والبنية التحتية والإدارة المحلية مع وليد المصري، مع بقاء المسؤولية الدستورية والقانونية لكل وزير قائمة، وهذا لا يعني أن الوزراء أصبحوا مرؤوسين للنواب، لكنه يعني أن سلسلة المتابعة داخل الحكومة ربما تكون قد تغيرت، وصار للرئيس في مكتبه من الدوار الرابع قدرة على المراقبة الأكثر دقة وتنظيما.

ولا تزال هناك، بطبيعة الحال، أسئلة مشروعة حول ما إذا كان هذا النوع من الهندسة يكفي وحده لمعالجة مشكلات الأداء، فالتنظيم لا يعوض ضعف القرار، كما أن توزيع الأدوار لا ينتج بالضرورة نتائج أفضل إذا لم يصاحبه قياس واضح للإنجاز والمحاسبة، ولذلك سيكون الاختبار الحقيقي في الأسابيع والأشهر المقبلة، لا في الألقاب، بل في قدرة هذه البنية على تقليل المسافة بين القرار والتنفيذ.

في المقابل، يبدو رئيس الوزراء مقتنعا بأن حكومته أنجزت جزءا مهماً مما كلفت به، وهو ما يمكن فهمه من مضمون كتاب التكليف الملكي ومن الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع برامجها ومشاريعها، ولذلك لا يبدو التعديل، من هذه الزاوية، اعترافا بفشل الفريق بقدر ما هو محاولة لإعادة ضبط طريقة عمله، وربما لهذا السبب لم يذهب حسان إلى تغيير واسع في الوزراء بقدر ما ذهب إلى إعادة توزيع مراكز المتابعة داخل الحكومة.

لكن ترتيب البيت الداخلي لا يحل مشكلة أخرى بقيت ملازمة لأداء الحكومة، وهي مشكلة التواصل، وبحسب ترشيحات مقربة من رئيس الوزراء، فإن حسان يسعى في المرحلة المقبلة إلى إعادة النظر في سياسة الاتصال الحكومي ومحاولة ملء الفراغ الإعلامي بمنهجية مختلفة عن الأسلوب التقليدي الذي يكتفي بعرض القرار بعد صدوره، فالمشكلة لم تكن دائما في غياب المعلومات، بل في غياب الرواية التي تشرح لماذا اتخذ القرار، وما المشكلة التي يحاول حلها، وما كلفته، وما البدائل التي جرى استبعادها.

وهذا، إذا حدث، قد يكون الجزء الأكثر حساسية في إعادة ترتيب الحكومة، لأن الدولة لا تحتاج فقط إلى من ينفذ السياسة، بل إلى من يشرحها بوضوح ويضعها في سياق يفهمه الناس، والاتصال الحكومي الناجح لا يعرض الإنجاز كما تعرض السلع في واجهة متجر، بل يشرح السياسة، ويعترف بتعقيداتها، ويترك للجمهور مساحة للحكم عليها.

وربما تكون القيمة الأهم في هذه الهندسة الجديدة أنها ستجعل مواقع الخلل أقل قدرة على الاختباء داخل ازدحام الفريق، لأن توزيع الملفات على محاور واضحة، ووضع مسؤولية المتابعة في يد نواب للرئيس، سيجعل من السهل قياس من ينجز ومن يعطل، ومن يدير ملفه بكفاءة ومن يحتاج إلى مراجعة، وعندها يمكن لأي تعديل وزاري مقبل، ربما قبل نهاية العام، أن يستند إلى سجل أداء يمكن قياسه لا إلى الانطباعات، وإلى تقييم موضوعي لا يتشكل تحت ضغط المزاج الشعبوي أو وطأة وسائل التواصل الاجتماعي، وهي مساحة يعرف عن جعفر حسان أنه يتجنب أن يجعلها بديلا عن القرار المؤسسي.

بهذا المعنى، قد لا يكون التعديل الأخير نهاية عملية ترتيب الحكومة، بل بدايتها، لأن أفضل ما يمكن أن تفعله الهندسة الجديدة ليس أن تحمي الفريق وحسب، بل أن تكشف مواضع الخلل فيه.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية