اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: مصالحة نحتاجها اليوم

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


ليس الأردن اليوم بحاجة إلى مزيد من الخطب والشعارات، بقدر حاجته إلى جلسة صراحة وطنية واسعة، يجلس حولها الجميع سواء كانوا حُكومة أو مجلس أُمّة أو مواطنين، لنتساءل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وكيف نُريد أن يكون الأردن بعد سنوات، إذا استمرت التحديات الإقليمية والاقتصادية والمعيشية على حالها؟
 

فالشرق الأوسط يعيش حالة من عدم الاستقرار، ولا يبدو في الأُفق القريب ما يدعو إلى التفاؤل بانتهاء أزمات المنطقة. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، ليس جزيرة معزولة عما يحدث حوله.
وفي الداخل، لدينا ما يكفينا من التحديات؛ فالفقر والبطالة والمديونية وارتفاع تكاليف المعيشة ملفات لا تحتمل التأجيل، ولا يُمكن التعامل معها بمنطق أن الأمور ستتحسن وحدها. المطلوب مُراجعة وطنية شاملة تُعيد ترتيب الأولويات، وتضع المواطن والوطن في مُقدمة الحسابات.
هُنا، يتبادر إلى الذهن سؤال: «لماذا لا نبدأ بالمُصالحة؟»؛ وأقصد مُصالحة بين الحُكومة والمواطن تقوم على الحقوق والواجبات، لا على الشكوك وتبادل الاتهامات، وبين مجلس النواب والمواطن، وبين مؤسسات الدولة بعضها مع بعض.
عندما يشعر المواطن أن بعض القوانين تمر عبر السلطة التشريعية، وكأنّ إقرارها أصبح أمرًا مفروغًا منه، فإن الثقة تتراجع، ومثال ذلك ما رافق مشروع القانون المُعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، الذي أقره مجلس النواب، مؤخرًا، قبل أن يعقد مجلس الوزراء، في اليوم التالي، جلسة أقر خلالها تعويض المواطنين الذين سيتم استملاك أراضيهم أو تعويضهم عنها في منطقة وادي الأردن، والتأكيد على أن موضوع الرُبع المجاني لا ينطبق على هذه الفئة.
قد تكون هُناك تفسيرات قانونية وتشريعية لهذا الأمر، وقد تكون هُناك أسباب ومُبررات، لكن لماذا لم يصلوا إلى هذه النتيجة من خلال نقاش تشريعي أكثر وضوحًا قبل إقرار القانون؟ وهل المواطن مُطّلع بما يكفي على ما تمسه التشريعات من حقوقه ومُمتلكاته؟ مثل هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُخيف أحدًا، بل يجب أن تكون جُزءًا من المُصارحة التي نحتاجها.
لكن المُصالحة ليست مسؤولية الحُكومة أو مجلس الأُمة وحدهما؛ فالمواطن أيضًا تقع على عاتقه مسؤوليات، إذ لا يُمكن المُطالبة بحماية مُقدرات الوطن، ثم نجد من يعتدي على خطوط المياه أو يسرقها، أو يعبث بشبكات الكهرباء، أو يعتدي على الطُرق والمرافق العامة، أو يُلقي النفايات في الشوارع والأماكن العامة، الوطنية لا تقتصر فقط على المُطالبة بالحقوق، بل هُناك واجبات يجب أن تؤدى.
وفي المُقابل، فإن المواطن المُطالب بالالتزام، يحتاج إلى خدمة عادلة ومُحترمة؛ فشركة المياه مُطالبة بإيصال المياه إلى المنازل دون مُنغصات، وبأسعار تتناسب مع دخول المواطنين وقُدرتهم على التحمل. والأمر نفسه ينطبق على الكهرباء، إذ لا يُمكن الحديث عن شراكة حقيقية بين المواطن والمؤسسات ما لم يشعر الأول بأن كُلفة الخدمات عادلة ومُتناسبة مع مُستوى دخله.. ما يعني أن المُعادلة بسيطة، حقوق تُقابلها واجبات، وخدمات تُقابلها التزامات، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
وقد يخرج علينا من يقول: ماذا عن الفاسدين؟ الجواب: نعم، يجب القضاء على الفساد وتجفيف منابعه، ومُلاحقة الفاسدين، وفق القانون والعدالة والأدلة، بعيدًا عن التعميم، وفي الوقت نفسه ينبغي أن لا تكون مُحاربة الفساد ذريعة لتعطيل المُصالحة الوطنية، كما أن المُصالحة لا ينبغي أن تكون غطاء للفاسدين أو وسيلة لإسقاط الحقوق.
الأردن يملك ملايين المواطنين الذين يؤمنون بوطنهم، ومُستعدون للتضحية من أجله، بالنفس والمال والجهد، من أجل أن يبقى قويًا وآمنًا ومُتقدمًا.
لذلك، لنبدأ الآن، ومن الأساس: قواعد سليمة، عدالة لا تستثني أحدًا، حقوق لا تُهدر، واجبات لا يتنصل منها أحد، وثقة تُبنى بالفعل لا بالشعارات.
بعدها، يُمكن أن تأتي بقية الخطوات لتكمل البناء؛ ولنسمها «المُصالحة الأولى»، أو «المُصالحة الأخيرة» إن أردنا أن نُدرك خطورة اللحظة. فالأردن لا يحتمل مزيدًا من الانقسام أو فقدان الثقة أو تأجيل الملفات، والوطن الذي نُريد أن نحميه غدًا، علينا أن نتصالح من أجله اليوم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية