اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

تادرس يكتب : حديث الأربعاء - عُد لتتعلّم التّاريخ

{title}
أخبار الأردن -

أمجد تادرس

في الثّامن من أيّار عام ١٩٤٥، بينما كانت أوروبا كلّها تحتفل بانتصارها على النّازيّة وبنهاية الحرب العالمية الثانية، خرج الجزائريّون في مدينة سطيف يحتفلون هم أيضاً... ويطالبون بنصيبهم من تلك الحرّيّة التي حاربوا في صفوف فرنسا من أجلها.

رفع شابٌّ اسمه (سعال بوزيد) العَلَمَ الجزائريّ، وحين أمره شرطيٌّ فرنسيّ بإنزاله رفض، فأُطلقت عليه النّار وسقط قتيلاً. وما جرى بعدها لم يكن قمعَ مظاهرة، بل حملةَ انتقامٍ امتدّت أسابيع في سطيف ومدن أخرى. جثثٌ تُلقى في الآبار، وأخرى تُرمى من أعالي الجبال. قدّرت السّلطات الفرنسيّة القتلى وقتها بألفٍ وخمسمائة، ويتحدّث مؤرّخون فرنسيّون عن نحو خمسة عشر ألفاً، بينما تقول الرّواية الجزائريّة إنّهم خمسة وأربعون ألفاً.

ظنّت فرنسا أنّها بذلك أنهت المسألة. والحقيقة أنّها بدأتها. فالجيل الذي شهد ما حدث في سطيف طفلاً، هو نفسه الذي عاد وفجّر الثّورة عام ١٩٥٤.

وحتّى لا نقرأ التّاريخ بعينٍ واحدة، فإنّ الدّم لم يكن في جهةٍ دون أخرى. ففي العشرين من آب ١٩٥٥، هاجم مقاتلو جبهة التّحرير قريةَ صغيرةً اسمها (الحلية)، كان يعيش فيها نحو مئةٍ وثلاثين أوروبيّاً وسط ألفَي جزائريّ في جو هادئ. قُتل في ساعاتٍ نحو سبعةٍ وثلاثين مدنيّاً أوروبيّاً، بينهم عشرة أطفال، بطريقةٍ لا يمكن الدّفاع عنها بأيّ منطق. وكان ردّ فرنسا أن أطلقت حملةَ انتقامٍ في كلّ الشّمال الجزائري. تقول الرّواية الفرنسيّة الرّسميّة إنّ ضحاياها ألفٌ ومئتان، وتقول الجبهة إنّهم اثنا عشر ألفاً.

وحين اشتدّ القتال سلّمت السّلطات المدنيّة مدينة الجزائر كلّها إلى الجنرال (Jacques Massu) وكتيبته من المظليّين. عمل خارج القانون طوال عام ١٩٥٧: اعتقالاتٌ جماعيّة، وتعذيبٌ منهجيّ بالكهرباء والإغراق، وإخفاءٌ قسريّ، وإعدامات. وبمقاييس الحرب... نجح (ماسو) نجاحاً باهراً؛ أُسكتت القنابل، وفُكِّكت شبكة جبهة التّحرير، ورُفعت الرّاية الفرنسيّة فوق القصبة الذي كانت تعتبر مقر الثورة.

لكنّ الفاتورة الحقيقيّة وصلت من حيث لم يتوقّعوا. ففي حزيران ١٩٥٧، وفي ذروة عمل (ماسو)، اعتقل الجنود الفرنسيون رجلاً لم يكن جزائريّاً؛ اسمه (Henri Alleg)، صحفيٌّ فرنسيّ، اقتيد إلى مركز الاستجواب، وبقي شهراً كاملاً يُعذَّب بالكهرباء والإغراق بالماء.

في زنزانته كتب شهادته على أوراقٍ متفرّقة، هرّبها محاموه، وطبعتها زوجتُه في باريس. وصدرت في شباط ١٩٥٨ في كتابٍ صغير، حمل عنواناً واحداً: «La Question»... وهي التّسمية القديمة التي كانت محاكم التّفتيش تُطلقها على التّعذيب. فبيعت منه ستّون ألف نسخةٍ في أسبوعين. عندها صادرت الحكومة الفرنسيّة ما تبقّى من نسخ ومنعته... أوّل كتابٍ تمنعه فرنسا لأسبابٍ سياسيّةٍ منذ القرن الثّامن عشر. لكنّ المنع كان الهديّة الأثمن؛ إذ طُبع سرّاً وتُرجم وتجاوزت مبيعاته مئةً واثنتين وستّين ألف نسخةٍ قبل نهاية العام. لم يعد بمقدور باريس أن تنفي ما رواه فرنسيٌّ عن نفسه.

وحين حُكم بالإعدام على المناضلة (جميلة بوحيرد) في تمّوز ١٩٥٧، ثار العالم واجتمعت لجنة حقوق الإنسان، وانهالت برقيّات الاستنكار من كلّ اتّجاه، فتحوّل حكم الإعدام إلى سجنٍ ثمّ إلى حرّيّة.

هكذا وجدت فرنسا نفسها في مواجهةٍ خسرتها قبل أن تنتبه إليها؛ لا في الجزائر، بل في ضمير العالم، وفي شوارع باريس نفسها. وفي آذار ١٩٦٢ وُقّعت اتّفاقيّات (إيفيان)، وفي تمّوز من العام ذاته خرجت فرنسا من الجزائر بعد مئةٍ واثنتين وثلاثين سنةً من الاستعمار. ربحت المعركة عام ١٩٥٧... وخسرت البلد عام ١٩٦٢، وخسرت سمعتها إلى الأبد.

أستعيد كلّ هذا وأنا أتابع ما جرى في واشنطن هذا الأسبوع. جلس نائب الرّئيس الأمريكيّ (JD Vance) في بودكاست (Joe Rogan) الشهير وقال إنّ إسرائيل «losing the public opinion battle»... أي أنّها تخسر معركة الرّأي العامّ داخل الولايات المتّحدة نفسها. ولم تكن زلّة؛ فقبلها بأسابيع قال في البيت الأبيض إنّه لو كان في الحكومة الإسرائيليّة لَما هاجم "الحليف القويّ الوحيد الذي بقي له في العالم كلّه".

انقضّوا عليه المعارضون من كلّ جانب، ومن داخل حزبه قبل خارجه. وصف النّائب الجمهوريّ (Randy Fine) كلامه بأنّه "مقزّز"، ونصحه علناً بأن "يعود ليتعلّم التّاريخ". وأعلن مذيعٌ في (Fox) أنّه "صُدم".

الحقيقة أنّ (فانس) لم يقل رأياً، بل قرأ رقماً؛ فاستطلاع (Gallup) في شباط الماضي أظهر لأوّل مرّةٍ منذ ربع قرن أنّ تعاطف الأمريكيّين مع الفلسطينيّين (٤١٪) تجاوز تعاطفهم مع إسرائيل (٣٦٪)، وأنّ أكثر من نصف الشّباب دون الخامسة والثّلاثين يقفون مع الشعب الفلسطينيّ.

النّصيحة الوحيدة في كلّ ما قيل كانت: "عُد لتتعلّم التّاريخ". وهي نصيحةٌ في محلّها تماماً... لكنّها موجّهةٌ إلى الجهة الخطأ. فالذين هاجموا (فانس) كان الأجدر بهم أن يقرأوا التّاريخ قبل أن يهاجموه.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية