غنيمات يكتب:شباب الأردن بين الفرصة والضياع
طلال غنيمات
في اليوم العالمي للشباب لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد فرصة للاحتفاء بالشباب وتعداد إنجازاتهم بل مناسبة لمراجعة واقعهم وطرح سؤال صريح ماذا فعلنا لشباب الأردن وماذا قدمت الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والأحزاب لجيل كامل يبحث عن فرصة ولا يجدها .
في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتزايد أعداد الخريجين ومحدودية قدرة القطاعين العام والخاص على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل أصبحت البطالة أكثر من مجرد رقم اقتصادي إنها قضية تؤرق البيوت الأردنية وتؤخر الاستقلال الاقتصادي والزواج وتدفع بعض الشباب إلى التفكير بالهجرة وتترك آثاراً عميقة على الثقة بالمستقبل.
وبينما نتحدث منذ سنوات عن التحديث السياسي والإداري والاقتصادي يبقى السؤال الأهم هل انعكس هذا التحديث على فرص العمل وحياة الشباب فالإصلاحات لا تقاس فقط بالقوانين والبرامج وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس وفتح أبواب جديدة أمام الأجيال القادمة.
الأخطر أن ترك الشباب بلا أفق أو فرصة قد يترك فراغاً تستغله جهات وأفكار خطرة فالشاب الذي يفقد الإحساس بالجدوى والانتماء ويشعر أن المجتمع لا يمنحه مكاناً حقيقياً فيه قد يصبح أكثر عرضة لمسارات خاطئة تبدأ أحياناً بالمخدرات وقد تتطور لدى البعض إلى العنف أو التطرف أو الانعزال والانفجار الاجتماعي وليس صحيحاً اختزال أسباب المخدرات أو التطرف في البطالة وحدها لكن غياب الأمل والفرص يترك فراغاً لا يجوز أن نسمح لأحد بملئه لذلك فإن الاستثمار في الشباب ليس مشروعاً اقتصادياً فحسب بل هو استثمار في الأمن الاجتماعي والاستقرار الوطني.
المطلوب اليوم ليس برامج تدريبية متفرقة وإنما استراتيجية وطنية حقيقية للتشغيل تربط التعليم باحتياجات سوق العمل وتحدد القطاعات القادرة على خلق فرص جديدة وتعيد النظر في التخصصات الجامعية التي لا يجد خريجوها طريقاً إلى سوق العمل.
كما يجب أن يكون الشباب في قلب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لا مجرد متلقين لورش تدريبية فالأردن يمتلك طاقات قادرة على المنافسة في البرمجة والعمل الحر والخدمات الرقمية لكنها تحتاج إلى التدريب والتمويل والاحتضان والوصول إلى الأسواق.
أما وزارة الشباب فالمطلوب أن يقاس نجاح برامجها بالأثر لا بعدد الأنشطة والسؤال الحقيقي هو كم شاباً حصل على وظيفة وكم مشروعاً استمر وكم موهبة تحولت إلى قصة نجاح.
والأمر ذاته ينطبق على الأحزاب السياسية فالشباب كانوا عنواناً رئيسياً في مشروع التحديث السياسي لكن المطلوب أن تتجاوز العلاقة معهم الموسم الانتخابي وأن تتحول الأحزاب إلى منصات حقيقية لتأهيل الشباب وإشراكهم في صناعة القرار لا التعامل معهم كأرقام انتخابية.
وفي المقابل لا تستطيع الحكومة وحدها حل أزمة البطالة فالقطاع الخاص شريك أساسي وخلق الوظائف المستدامة يحتاج إلى اقتصاد منتج قادر على النمو والاستثمار والتوسع مع دعم الشركات الناشئة والعمل الرقمي والاستثمار في المحافظات.
الشباب الأردني ليس عبئاً على الدولة بل هو أهم ثروة يمتلكها الأردن والمشكلة ليست في كثرة الشباب وإنما في قدرتنا على تحويل طاقتهم إلى إنتاج وابتكار.
في اليوم العالمي للشباب لا يحتاج شباب الأردن إلى مزيد من الخطابات والشعارات بل إلى فرصة حقيقية للعمل والابتكار والمشاركة وبناء المستقبل.
ويبقى السؤال الأهم أمام مشروع التحديث كله هل أصبح الشاب الأردني أقرب إلى العمل والحياة الكريمة وصناعة مستقبله؟
إذا كانت الإجابة لا تزال مترددة فعلينا أن نعيد النظر في الطريق لأن مستقبل الأردن لا يمكن أن يبقى مؤجلاً.







