القضاة يكتب: التعديل الوزاري؛ تغيير محدود ودلالات أوسع...
غيث هاني القضاة .
جاء التعديل الوزاري الأخير على حكومة الدكتور جعفر حسان محدودًا من حيث عدد الأسماء، لكنه لم يكن محدودًا بالضرورة من حيث الدلالة؛ فالحكومة لم تشهد تغييرًا واسعًا أو دخول وجوه جديدة، بقدر ما شهدت إعادة ترتيب داخلية لمراكز المسؤولية وتوزيعًا مختلفًا للأدوار التنفيذية، ومن اللطائف أنك لا تكاد تجد تهنئة واحدة لأي شخصية سياسية بعد التعديل الوزاري في حكومة حسان ، وهو الأمر غير المُعتاد لدينا .
لكن من اللافت أن التعديل لم يحمل رسائل سياسية تقليدية معهودة مسبقا، من حيث إرضاء مناطق أو تيارات أو إدخال أسماء ذات حضور سياسي أو نيابي، بل حافظ بصورة واضحة على الطابع التكنوقراطي للحكومة،وهذا ينسجم إلى حد كبير مع شخصية حكومة جعفر حسان نفسها، التي تميل إلى الإدارة والبرامج والمتابعة والمؤشرات أكثر من اعتمادها على الخطاب السياسي الواسع.
لكن التغييرات التي أجراها الرئيس التي يبدو انه أراد ( عمدا وقصدا) مخالفة توقعات جميع المحللين والسياسيين وكتاب الأعمدة وحتى بعض مواقع الشغب الخارجية ؛ الذين يدفع بعضهم نحو التغيير والتعديل بأسماء محددة من خلال ( تلميعهم) في مواقعهم الإخبارية وغير ذلك ، توحي بأن رئيس الوزراء لم يكن يبحث عن تبديل الفريق، بقدر ما كان يبحث عن رفع كفاءة التنسيق داخله، وتسريع عملية اتخاذ القرار والمتابعة في الملفات التي يعتبرها الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة.
ما يلفت النظر ايضا أن الحكومة أصبحت تضم ثلاثة نواب لرئيس الوزراء: أيمن الصفدي في موقعه المرتبط بالسياسة الخارجية، ووليد المصري في الإدارة المحلية والخدمات، ومهند شحادة في الملف الاقتصادي، لكن هذا التوزيع باعتقادي قد يؤشر إلى نشوء نمط أكثر وضوحًا في إدارة الحكومة، يقوم على وجود محاور رئيسية للمتابعة تحت إشراف رئيس الوزراء.
مع ملاحظة ان مهند شحادة، من الشخصيات التي تحركت في مسارها بين القطاع المالي والمصرفي ومؤسسات صنع القرار في الدولة، بل وأدار صندوق الإتمان العسكري، وكذلك الدائرة الاقتصادية في الديوان الملكي التي تراقب وتتابع ملفات اقتصادية كبرى بعيدا عن النمطية والتقليدية في العمل بل تتجاوز حدود وزارة بعينها ، فهو مُقرب ( فكريا ومهنيا ) من حسان صاجب كتاب ( الاقتصاد السياسي الاردني، بناء في رحم الأزمات) ، وأظن ان هنالك ملفات اقتصادية كبرى يتم تجهيزها تحتاج رجلا بهذه الكفاءة ؛فشحادة اليوم لا يرأس وزارة قطاعية محددة، مثل المالية أو التخطيط أو الاستثمار، وإنما يتحرك فوق هذه التقسيمات نسبيًا، وهو ما يمنحه قدرة أوسع على التنسيق بين الوزارات المختلفة ومتابعة تنفيذ السياسات الاقتصادية الكبرى.
وعلى ما يبدو أن الحكومة تريد إعطاء زخم أكبر لتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، ومتابعة المشاريع والاستثمارات القادمة ، وربط الوزارات الاقتصادية المختلفة ضمن إطار تنفيذي أكثر سرعة وفاعلية،ولهذا ربما وجد حسان في شحادة الشخص المناسب لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة: تحويل رؤية التحديث الاقتصادي من وثيقة وبرنامج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ ونتائج يلمسها المواطن.
في ملف الإدارة المحلية، فإن رفع موقع وليد المصري إلى نائب رئيس الوزراء يعكس أهمية الخدمات والمشاريع البلدية والتنموية، خصوصًا أن المواطن في النهاية يقيس أداء الحكومة من خلال ما يراه في الطرق والخدمات والنقل والبنية التحتية والإدارة اليومية للمحافظات والبلديات.
أما دمج ملفي التربية والتعليم العالي، فهو بدوره يحمل دلالة تتجاوز التغيير الإداري. فالتوجه الجديد ينظر إلى التعليم باعتباره منظومة واحدة تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند الجامعة، بل ترتبط بسوق العمل وتنمية الموارد البشرية والاقتصاد الوطني. وهذه خطوة كبيرة إذا نجحت الحكومة في تحويل الدمج من تغيير في المسميات إلى إصلاح حقيقي في السياسات والمناهج والمهارات والتعليم الجامعي.
لكن نجاح هذا النموذج لن يُقاس بعدد نواب رئيس الوزراء أو إعادة توزيع الصلاحيات، وإنما بقدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة؛ فالمواطن لا يهتم كثيرًا بهندسة مجلس الوزراء بقدر اهتمامه بفرص العمل، والأسعار، والخدمات، والنقل، والتعليم، ومستوى الدخل.
ولهذا يمكن القول إن التعديل الأخير لم يكن تغييرًا في اتجاه حكومة جديدة ، بل محاولة لإعادة تنظيم ماكينة التنفيذ داخلها.
لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ الآن: هل ستؤدي هذه البنية الجديدة إلى قرارات أسرع، وتنسيق أفضل مع مجلس النواب والدوائر المعنية في الدولة، ومشاريع تتحول من الخطط إلى الواقع؟ أم أن التغيير سيبقى إداريًا أكثر منه عمليًا؟
الإجابة لن تكون في أسماء الوزراء، بل في النتائج التي ستظهر خلال الأشهر المقبلة وطبيعة الحلول التي سبتم تقديمها أمام النحديات الكبيرة التي تنتظر الإقليم .
غيث هاني القضاة .







