اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو دلو يكتب: "الأردن والقضية الفلسطينية.. ثبات الموقف"

{title}
أخبار الأردن -

 

معاذ وليد أبو دلو

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، وتنامي التحديات التي تواجه النظامين العربي والدولي، يواصل الأردن ترسيخ نهجه السياسي القائم على الثبات والاعتدال، واضعاً القضية الفلسطينية في صدارة أولوياته باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية، وقضية تحرر وطني تحكمها قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وليست مجرد ملف سياسي يرتبط بتوازنات المصالح أو تقلبات المشهد الإقليمي.
 

لقد شكل الموقف الأردني، منذ تأسيس الدولة، نموذجاً في الالتزام السياسي والقانوني تجاه الحقوق الفلسطينية، فلم يكن يوماً موقفاً انفعالياً أو موسمياً، وإنما سياسة دولة تستند إلى رؤية إستراتيجية تدرك أن استقرار الأردن والمنطقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وفق المرجعيات القانونية الدولية، وبما يضمن إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن هذا المنطلق، جاء انعقاد الاجتماع الوزاري العربي في العاصمة عمان عاصمة كل العرب ليؤكد استمرار الدور الأردني المحوري في توحيد الموقف العربي تجاه التطورات الخطيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة. فالأردن، رغم ما تشهده المنطقة من تباينات سياسية، ما يزال يؤمن بأن وحدة الموقف العربي تمثل إحدى أهم أدوات التأثير في المجتمع الدولي، وأن تماسك الصف العربي يمنح القضية الفلسطينية قوة سياسية وقانونية أكبر في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع.
وقد عكس البيان الصادر عن الاجتماع رؤية عربية موحدة تجاه ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية، وتكثيف التحرك السياسي والقانوني والدبلوماسي، والعمل على توثيق الجرائم والانتهاكات الواقعة بحق المدنيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ويعزز جهود المساءلة أمام الآليات القضائية والحقوقية الدولية.
ولعل أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم يتمثل في محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في مدينة القدس المحتلة، والسعي إلى فرض وقائع جديدة تمس هوية المدينة العربية والإسلامية والمسيحية، إلى جانب محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف. 
وهي إجراءات تفتقر إلى أي سند قانوني، وتشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة، ولميثاق الأمم المتحدة، ولقواعد القانون الدولي الإنساني، ولقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي أكدت مراراً عدم مشروعية جميع الإجراءات الرامية إلى تغيير طابع مدينة القدس أو مركزها القانوني وبناء المستوطنات.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني بوصفه أكثر من مجرد موقف سياسي، إذ يستند إلى الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي مسؤولية تاريخية وقانونية أسهمت في حماية المقدسات وصون هويتها والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في مواجهة محاولات طمس الهوية العربية للمدينة المقدسة.
كما أن التحركات الأردنية المتواصلة في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان، والمحاكم والهيئات الدولية المختصة، تعكس قناعة راسخة بأن القانون الدولي ما يزال يشكل الأداة الأكثر شرعية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وأن تفعيل آليات المساءلة الدولية يمثل ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المسؤولية، وترسيخ مبدأ سيادة القانون في العلاقات الدولية.
ولا يقتصر البعد الأردني على الدفاع عن الحقوق الفلسطينية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى حماية الأمن الوطني الأردني والأمن القومي العربي، إذ إن استمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وفرض السياسات الأحادية، ورفض الحلول السياسية، كلها عوامل تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، وتغذي دوائر الصراع، وتقوض فرص السلام والتنمية في المنطقة.
ومن هنا، فإن تمسك الأردن بحل الدولتين لا يمثل موقفاً تفاوضياً فحسب، وإنما يعبر عن رؤية قانونية وسياسية تستند إلى الشرعية الدولية، وإلى قناعة بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر فرض القوة أو تغيير الوقائع على الأرض، بل من خلال احترام قواعد القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف، وله حق تقرير مصيره.
لقد أثبتت التجربة السياسية الأردنية أن الدفاع عن فلسطين لم يكن يوماً شعاراً إعلامياً، وإنما سياسة دولة راسخة، وممارسة دبلوماسية وقانونية متواصلة، تقودها القيادة الأردنية في مختلف المحافل الدولية، دفاعاً عن الحقوق الفلسطينية، وحمايةً للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وصوناً للشرعية الدولية في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.
وسيظل الأردن، رسمياً وشعبياً، وبتماسك جبهته الداخلية، وبحنكته الدبلوماسية، ركيزةً أساسية في الدفاع عن القضايا العربية، وصوتاً قانونياً وسياسياً ثابتاً في مواجهة محاولات تقويض الحقوق الفلسطينية، مؤمناً بأن العدالة الدولية ليست خياراً سياسياً فحسب، وإنما أساس لا غنى عنه لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية