اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نادية سعدالدين تكتب: إعادة احتلال غزة أم انسحاب مشروط؟!

{title}
أخبار الأردن -

 

نادية سعدالدين


يستقر في ذاكرة القلة من الصهاينة المنادين بالانسحاب من قطاع غزة مشهد اندحار جيش الاحتلال منه مُجبرا، عام 2005، على وقع ضربات المقاومة الموجعة، مما يجعل إعادة احتلاله كاملا أو جزئيا في نظرهم تحديا محفوفا بمخاطر تكراره وتفاقم الانقسامات الداخلية نظير التكلفة المادية والبشرية العالية المرجح تكبدها حال توليه إدارة القطاع مجددا.
 

لكن أصوات هؤلاء باهتة ولا تأثير لها أمام سطوة التيار اليميني الديني المتطرف وأطماعه للتوسع الاستعماري والبقاء السياسي، رغم اختلاف أقطابه حول شكل الوجود المنشود في القطاع بين السيطرة الأمنية الشاملة وعودة السلطة الفلسطينية بصلاحيات إدارية ومدنية دون الأمن، تماثلا لوضع المنطقة «ب» (وفق اتفاق أوسلو) في الضفة الغربية، مقابل احتلاله بالكامل أسوة بعامي 1967 حتى 2005، وهو الخيار الغالب والمنسجم مع الطبيعة الصهيونية التوسعية والعدوانية.
ولا تحرك ساكنا عند «نتنياهو» محاولات استحضار خطة فك الارتباط الأحادي الجانب من قطاع غزة في أغسطس 2005، التي عارضها بشدة وقاد الجناح المتمرد داخل حزب الليكود ضد رئيس حكومة الاحتلال آنذاك الصهيوني «آرئيل شارون» وقدم استقالته من منصب وزير المالية احتجاجا على تنفيذ أول انسحاب من «أرض إسرائيل التاريخية» المزعومة تحت ضربات المقاومة الفلسطينية، ولإزالة غطاء المحرمات عن المستعمرات بإخلاء 21 مستوطنة تضم زهاء 8 آلاف مستوطن، وأربع مستعمرات معزولة في الضفة الغربية، إزاء التكلفة العسكرية والمادية المترتبة على البقاء فيه.
ورغم أن الانسحاب الصهيوني من القطاع آنذاك تم مع إبقاء السيطرة على منافذه الجوية والبرية والبحرية، ولكنه يأتي بفعل صمود الشعب الفلسطيني وصلابة المقاومة وضمن سياق الأطر العسكرية وموازين القوى الدولية، وليس استنادا للنصوص التوراتية المزعومة، كما جاء على خلفية تحول ملموس في ميزان القوى الفلسطيني الداخلي عقب انتفاضة 2000 وفشل اتفاق «أوسلو» في تحقيق الحدود الدنيا من المشروع الوطني الفلسطيني، وفي ضوء تجربة الفلسطيني لأداء سلطته على مدار عقد من الزمن.
إلا أن الصهيوني «أرئيل شارون» أراد وقتها الخروج بصورة المنتصر وليس المهزوم على يد المقاومة؛ فادعى أمام مؤتمر الوكالة اليهودية بالقدس المحتلة (28/6/2005) أن الانسحاب من غزة يشكل جزءا من خطة «توجيه الطاقات صوب المناطق الأكثر أهمية لضمان بقاء إسرائيل، وهي الجليل والنقب ومنطقة القدس الكبرى والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والمناطق الأمنية في غور الأردن»، بهدف ضم المزيد من الأرض الفلسطينية.
ولم يخطئ شارون في جزئية أهمية الضفة الغربية باعتبارها ظهيرا إستراتيجيا للمشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، غير أن المفارقة هنا تتمثل في بروز دعوات صهيونية لضم أكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية واستثناء أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين تحت شعار الحفاظ على «يهودية دولة إسرائيل» المزعومة، بذريعة أن ضم قطاع غزة، التي لا تتجاوز مساحته 360 كم مربع ويسكنه نحو مليون ونصف المليون فلسطيني آنذاك، يشكل تهديدا «ليهودية الدولة»، أي للمشروع الصهيوني برمته، إلى جانب التكلفة العسكرية والمالية المترتبة على حراسة وتوفير مستلزمات 21 مستعمرة أقامها الكيان المحتل في القطاع، وما يولده الاحتلال من مقاومة تزداد تكلفة قمعها يوما بعد يوم.
ولهذا؛ يريد «نتنياهو» اليوم تصحيح ما يعتقده بخطأ سلفه؛ عبر التمسك بمطلب «نزع سلاح» حركة «حماس» بالكامل أولا، بوصفه مخرجا مريحا بالنسبة إليه لوضع العراقيل أمام انسحاب جيش الاحتلال من غزة، أو على الأقل التباطؤ في تنفيذه لحين موعد إجراء انتخابات «الكنيست» المقررة في أكتوبر المقبل، عله في ذلك يتفادى غضب المستوطنين المتطرفين التواقين لإعادة استيطان القطاع، وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة، على حساب إراقة الدم الفلسطيني.
أما الصهاينة الداعون للانسحاب من قطاع غزة، فليس لأنهم أصبحوا فجأة «حمائم سلام»، بل لأن لديهم أهدافا سياسية صهيونية تتصل بمسعى منع إقامة دولة فلسطينية مستقلة، عبر تقديم مقترح استمرار فرض الحصار الدائم دون أي سيطرة فلسطينية فعلية عليه، حتى يظل سجنا لزهاء مليوني فلسطيني يحتفظ الاحتلال بمفتاح أبوابه، بينما يمضي قدما في بناء المستوطنات وتهويد القدس وقضم أراضي الضفة الغربية، لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني وجعل الدولة المستقلة هدفا مستحيل المنال، أو هكذا يتخيلون.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية