خيرالله خيرالله يكتب: الحرب الإيرانيّة المستمرّة على لبنان…
خيرالله خيرالله
لا سيادة للبنان إلا بقرار واحد مستقل في دولة لها جيش واحد، تبسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصرا.
لا يزال لبنان يدور في الدوامة نفسها. لا يزال يعاني من حالة سرطانيّة اسمها سلاح “حزب الله”، وهو سلاح إيراني لا هدف من وجوده غير جعل البلد جرما يدور في فاك “الجمهوريّة الإسلاميّة”. ظهر ذلك من خلال الذكرى السادسة لكارثة تفجير مرفأ بيروت، حيث كان “حزب الله” يحمي بالتفاهم مع آخرين تخزين نيترات الأمونيوم.
كشفت الذكرى أنّ لبنان لا يزال يقاوم عدوّه الداخلي. إنّه عدّو يجسده سلاح “حزب الله” الذي استخدم داخل البلد وخارجه، خصوصا في سوريا، منذ ما قبل “حرب إسناد غزّة” التي أدت إلى نكبة شيعية هي في الواقع الحال نكبة على الصعيد الوطني اللبناني.
يؤكّد ذلك الكلام الأخير للأمين العام للحزب نعيم قاسم الذي اتهم السلطة اللبنانية بأنّها “كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً للبنان” مضيفا أنّ “الرئيس (جوزف عون) أصبح طرفاً ومفرّقاً وهذا لا ينسجم مع دوره”.
ليس هذا الكلام الصادر عن نعيم قاسم سوى جزء من الحرب الإيرانية المستمرّة على الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها. من حسن الحظّ، أنّ الوقاحة لا يمكن أن تستخدم غطاء للتغطية على الهزيمة، وهي هزيمة لبنانية تسبب بها “حزب الله”. بات على لبنان، بسبب الهزيمة التي تسبّب بها “حزب الله”، أي إيران، القتال على جبهتين في ظروف لا يحسد عليها.
هناك جبهة حرب إيران على الدولة اللبنانية وجبهة حرب التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي بغية عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم.
حصلت في روما مفاوضات صعبة مع إسرائيل بهدف التخلّص من الاحتلال. يتمثّل كلّ ما يفعله “الحزب”، ومن خلفه “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران، في دعم الموقف الإسرائيلي لا أكثر. كيف يردّ المفاوض اللبناني على الإسرائيلي عندما يشكو الأخير من أن سلاح “حزب الله” استخدم من أجل تهديد سكان مستوطنات الجليل؟ كيف يردّ عندما تقدّم إسرائيل معلومات موثّقة تشير إلى بنية تحتيّة عسكرية أقامتها إيران في كلّ أنحاء لبنان؟
من هذا المنطلق، كان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في غاية الوضوح والصراحة والجرأة عندما ردّ على الأمين العام للحزب قائلا له، من دون تسميته: “يطلّ علينا اليوم من يتّهم السلطة السياسية بأنها كانت عونًا لإسرائيل بدل أن تكون عونا لسيادة لبنان، ثم يدعو إلى الحوار والوحدة وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة.
الحقيقة أن العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب “إسناد” عبثية، ومنحها الذرائع للاعتداء على بلدنا ودوس سيادته وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم بمئات الآلاف. مَن تفرّد بقرار الحرب ويحاول الاستمرار بمصادرة قرار الدولة، وربط لبنان بحسابات ومحاور خارجية، متجاهلاً مصالح بيئته واللبنانيين عموما، لا يملك أن يوزّع شهادات في الوطنية، ناهيكم في السيادة. لا سيادة للبنان إلا بقرار واحد مستقل في دولة لها جيش واحد، تبسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصرا. أمّا الحوار والوحدة، فلا يُبنيان إلا بشجاعة الاعتراف بالحقائق على مرارتها، وبتحمل المسؤولية عن الخيارات المتهورة التي لا يزال يدفع اللبنانيون أثمانها الباهظة”.
إنّ كل الكلام الصادر عن نعيم قاسم مردود عليه. يقول للسلطة اللبنانية: “اهتمّوا بالسيادة الوطنية وتقوية الجيش اللبناني وبانسحاب العدو الإسرائيلي وبإعادة الإعمار وتحقيق المرفأ”. يضيف: ” لم تجلب المفاوضات المباشرة للبنان إلّا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية”. ذهب إلى حد القول أنّ “كل ما حصل من اعتداء على لبنان هو بإشراف أميركي وإدارة أميركية وموافقة أميركية” داعيا السلطة في لبنان إلى “إيقاف التنازلات المجانية والحوار مع المقاومة وترميم الوضع الداخلي والاهتمام بالسيادة”. لم ينس الإشادة بإيران كونها “عملت على أن يكون لبنان في البند الأول من المذكرة (مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة) واشترطت إيقاف العدوان والانسحاب الإسرائيلي”.
ينتهي الأمين العام للحزب بالقول أن “مسار مذكرة التفاهم هو الذي سيحقق الانسحاب الإسرائيلي ولولا صمود المقاومة لما تحقق شيء” وإننا “حريصون على الوحدة الداخلية، والوحدة العظيمة بين “حزب الله” و”أمل” شكّلت سدّاً منيعاً أمام العدوان الإسرائيلي – الأميركي وأمام اللاعبين الصغار، ونحن معاً كشعب ومقاومة ومستقبل وحياة”.
أقلّ ما يمكن قوله عن مطالعة نعيم قاسم، التي تتحدى كلّ منطق، أنّه يعتقد أن اللبنانيين لا يمتلكون ذاكرة، بما في ذلك الذاكرة المرتبطة باغتيال رفيق الحريري ورفاقه ومجموعة من أشرف اللبنانيين، من سمير قصير… إلى لقمان سليم. يعتقد أيضا أنّ اللبنانيين لا يعرفون من فتح جبهة جنوب لبنان من دون أي احترام للسيادة اللبنانية في المعايير الدنيا للاحترام.
يبدو جليّا أنّ الأمين العام لـ”حزب الله” يعتبر اللبنانيين قطيع غنم عاجز عن القيام بأي مراجعة ذات طابع نقدي لمواقفه. على الدولة اللبنانية، من وجهة نظر إيران، تحمّل نتائج ما ارتكبه الحزب من جرائم في حق البلد، بما في ذلك عودة الاحتلال الإسرائيلي.
لا تفسير للكلام الصادر عن نعيم قاسم سوى استخفافه بعقول الناس من جهة والسيطرة الإيرانيّة الكاملة على “حزب الله” من جهة أخرى.
يظلّ السؤال المطروح في كلّ وقت كيف للبنان الخروج من أزمته، هل عليه انتظار التغيير الكبير في إيران؟ الجواب بكلّ بساطة أنّه قادر على ذلك في حال أدرك أن الذل يكمن في الاستعانة بالاحتلال لتبرير وجود سلاح غير شرعي في البلد… وأنّ الذل في رفض الاعتراف بأنّ لا مجال للتخلص من الاحتلال من دون مفاوضات مباشرة مع من يحتل الأرض.
يوجد ثمن لا مفّر من دفعه. من يرفض دفع الثمن يسعى إلى المتاجرة بالجنوب وأهله إلى ما لا نهاية… في انتظار يوم القيامة في “الجمهوريّة الإسلاميّة”. أي اليوم الذي تعود فيه إيران دولة طبيعية لا أكثر، أي دولة تتفادى استخدام الوقاحة لتبرير الهزيمة.







