اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: "سد الذرائع": من الفقه إلى التسييس..! (2)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


السياق الاستعماري
ثمة إشكالية كبيرة في استخدام قاعدة «سدّ الذرائع» في السياقات الاستعمارية- وخصوصًا الاستعمارات الاستيطانية. ومن المسلّم به أن هذه الأنظمة الاستعمارية لا تنشأ من «ذرائع» يقدمها السكان الأصليون. إنها مشاريع تنشأ من فائض القوة، والحاجة إلى تعظيم الثروة بالاستيلاء على الأرض والموارد. وفي الاستعمار الاستيطاني، يقوم المشروع على التوسع الإقليمي، وبذلك انتزاع الملكية وإعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي لإضعاف قدرة السكان الأصليين على إدامة وجودهم– فيزيائيًا وهوياتيًا وتاريخيًا. وفي هذه السياقات، لا يمكن ادعاء أن «سد الذرائع» بضبط مقاومة الضحية سيفضي إلى إنهاء الاستعمار وحفظ الوجود. وغالبًا ما يؤدي التلقي السلبي للنشاط الاستعماري الاستيطاني إلى خفض كلفته ومنحه ظروفًا أكثر راحة لتوسيع وترسيخ مشروعه.
 

ثمة الكثير من الأمثلة الحديثة على محدودية منطق «سد الذرائع» في السياقات الاستعمارية. في مثال قريب ومألوف، الجزائر، داوم الاستعمار الفرنسي طيلة عقود على تقديم المقاومة الجزائرية باعتبار أنها هي مصدر العنف والفوضى. وقدم إجراءات السلطات الاستعمارية على أنها ردة فعل على «الاضطرابات». لكنّ دراسات الاستعمار شرحت كيف أن عنف النظام الاستعماري ليس إجراء أمنيًا ظرفيًا مؤقتاً، وكيف أنه يعمل وفق بنية منهجية كاملة لإنتاج الهيمنة وإعادة إنتاجها.
لاحظ فرانتز فانون، الذي عايش التجربة التحررية الجزائرية من داخلها، أن الاستعمار ليس رد فعل على مقاومة، وأنه بحد ذاته بنية عنف تُنتج الإخضاع وتجريد المستعمَرين من إنسانيتهم منذ نشوئها. وكتب: «الاستعمار ليس آلةً قادرةً على التفكير، وليس جسدًا موهوبًا بالعقل؛ إنه عنفٌ في حالته الطبيعية، ولن يذعن إلا أمام عنفٍ أشد». ووفق هذا التصور، لا تكون المقاومة هي السبب الذي أوجد الاستعمار، وإنما هي النتيجة الطبيعية لاستمرار علاقة استعمارية قائمة. ولذلك ارتبط التحرر الوطني، في فكر فانون، بتفكيك البنية الاستعمارية نفسها، واستعادة الكرامة والسيادة، وعدم الركون إلى إدارة آثار هذه البنية أو التكيف معها.
من المؤكد أن الاستعمار شر مطلق، لكنه في حالة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي هلاك محقق. وثمة دراسة شهيرة للباحث الأسترالي البارز في دراسات الاستعمار، باتريك وولف، عنوانها «الاستعمار الاستيطاني والقضاء على السكان الأصليين»، لخص فيها جوهر الاستعمار الاستيطاني في بضع كلمات: الاستعمار الاستيطاني «بنية وليس حدثًا». إنه مشروع لا يتوقف عند لحظة الغزو الأولى وغايته ليست استغلال قوة العمل المحلية. إنه نظام مستمر عمله إعادة توزيع الأرض والسكان والسيادة بما يخدم ترسيخ وجود المستوطن. إنه ليس ردًا على مقاومة، لأن منطقه الأساسي هو الاستحواذ المستمر على الأرض وإعادة تشكيلها ديموغرافيًا وسياسيًا.
عندما يتعلق الأمر بالاستعمار الاستيطاني، تقدم التجربة الأميركية المثال الأكثر وحشية وسطوعًا. هناك، تم تصوير مقاومة الشعوب الأصلية للتوسع الأوروبي باعتبارها مصدر العنف والاضطراب. وقُدم التوسع الاستيطاني بوصفه مشروعًا للتقدم والتمدين. لكنّ دراسات الاستعمار الاستيطاني بينت أن تهميش السكان الأصليين وتهجيرهم وإبادتهم كانت جزءًا عضويًا من منطق بناء الدولة الاستيطانية، ولم تكن مجرد نتائج عرضية للصراع. وما كان السكان الأصليون سيتمكنون من الحفاظ على وجودهم بتجنب «استفزاز» المستوطنين، لأن المشروع بطبيعته قام على تفريغ الأرض والسيطرة عليها.
وينطبق الأمر نفسه على أستراليا، حيث صوّرت السلطات البريطانية مقاومة السكان الأصليين باعتبارها عائقًا أمام النظام، بينما كان عنف السلطة الاستعمارية جزءًا من عملية إحلال استيطاني هدفت إلى إعادة تعريف الأرض لتكون مجالًا أوروبيًا. وسوف يتجاهل تحميل السكان الأصليين المسؤولية عن استمرار الصراع بسبب مقاومتهم طبيعة النظام المهدِّد الذي واجهوه، القائم على تقليص وجودهم في أرضهم الأصلية.
في هذه التجارب وغيرها، لا يصمد مبدأ «سدّ الذرائع» مطلقًا أمام المنطق الاستعماري. إنه مبدأ يفترض ضمنيًا أن المستعمِر يتصرف استجابةً لسلوك الضحية، وأن تعديل هذا السلوك سيؤدي إلى تعديل سياسة القوة المسيطرة. لكنّ التجربة التاريخية تُظهر أن الأنظمة الاستعمارية تمتلك قدرة شبه دائمة على إنتاج الذرائع التي تحتاجها، سواء وُجدت مقاومة أم لم توجد. إذا غاب العمل المسلح حضرت ذرائع الأمن الوقائي. وإذا تراجعت الاحتجاجات برزت ذرائع مكافحة التحريض، أو حماية المستوطنين، أو الدفاع عن الحدود، أو مواجهة «تهديد محتمل»– أو مجرد وجود السكان في أرض لازمة للتوسع الاستيطاني. ليس ثمة حاجة لأي ذرائع لتحريك مشروع استعماري، وهي تلزم فقط كأدوات خطابية لتسويقه ومحاولة شرعنته.
إنّ ما يسفر عنه إقحام «سد الذرائع» على السياقات الاستعمارية هو نقل مركز المسؤولية من القوة المهيمنة إلى ضحاياها. وبدلاً من مساءلة النظام الاستعماري عن استمرار احتلاله، يصبح المطلوب مساءلة الشعب الواقع تحت الاحتلال عن إظهار رفضه لواقع الاحتلال. ويحوِّل هذا الانقلاب في ترتيب الأسئلة الضحية إلى متهم دائم بينما يتستر على المصدر الفعلي للعنف ويخفيه تحت نقاش لا ينتهي حول ردود أفعال المقهورين. وفي الخبرة الفلسطينية مثال على هذه الآلية، عبر عنه إدوارد سعيد: «يجري تحميل الفلسطيني المسؤولية عن تجريده من أرضه هو».
وفي النهاية تصبح المقاومة هي المشكلة، بينما الاحتلال مُعطى لا يُنازع وينبغي التكيف معه. وبذلك يتحول «سدّ الذرائع» من قاعدة احترازية إلى فلسفة سياسية توصي بإدارة الاحتلال بدلًا من إنهائه، وتخفيض كلفة السيطرة بدلًا من تغيير شروطها. ويصبح المطلوب من الشعب الخاضع للاستعمار أن يثبت حسن سلوكه كل الوقت، بينما تستمر القوة المحتلة في فرض الوقائع الجديدة بلا عوائق.
لا يعني ذلك أن تكتيكات المقاومة تكون معصومة من الخطأ ومقدسة لا تحتمل النقد. في النهاية، تنتهي كل معركة إلى خاسر وكاسب– سواء لجهة الظروف الموضوعية أو عيوب في التخطيط وتوقع النتائج. لكن تقييم الوسائل يختلف جذريًا عن تحويل وجود المقاومة بحد ذاته إلى أصل المشكلة. ومن الضروري أن يظل النقاش حول الوسائل بعيدًا عن شبهة محاولة نزع الشرعية عن حق الشعوب في مقاومة السيطرة الاستعمارية.
إذا كان ثمة ما يمكن استخلاصه من تجارب الاستعمار الحديثة، فهو أن المشاريع الاستعمارية– التقليدية والاستيطانية على حد سواء- لا تتراجع لأنها فقدت الذرائع. إنها تتراجع عندما ترتفع كلفة استمرارها، ماديًا وسياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا- أو عندما تتغير موازين القوى الداخلية والدولية التي تحميها. وينطوي منطق انتظار أن يتخلى المشروع الاستعماري عن أهدافه بمجرد زوال الذرائع على قراءة معكوسة للتاريخ. إنه يفترض أن الذرائع هي التي تُنتج الاستعمار، بينما الاستعمار هو الذي ينتج ذرائعه وخطابه التبريري، أنّى وكلما احتاج إليها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية