خطاطبة يكتب: طريق بغداد الدولي.. متى يتوقف نزيف الأرواح؟
محمود خطاطبة
على الرغم من أننا أصبحنا في النصف الثاني من العام 2026، فإن أحد أهم الطرق الإستراتيجية في الأردن ما يزال عنواناً لفواجع أو مصائب أو فقدان أرواح، لا بل ويُصبح طريق بغداد الدولي، الذي يربط عمان والزرقاء بالمفرق وصولاً إلى معبر الكرامة الحدودي مع العراق، شاهداً على مُسلسل حوادث مروعة لا تنتهي، في الوقت الذي ما تزال فيه الجهات المعنية تُكرر وعودها.. ليبقى الوضع على ما هو عليه، طريق يستنزف الأرواح قبل أن ينقل البضائع.
هذا الطريق ليس شارعاً فرعياً أو طريقاً زراعياً محدود الاستخدام، بل هو شريان اقتصادي وسيادي يعبره يومياً آلاف المواطنين وسائقي الشاحنات، ويُعد البوابة البرية الرئيسة لحركة التجارة مع العراق.. ومع ذلك، فإن أجزاء واسعة منه ما تزال تُعاني التهالك، والحفر، والتشققات، وضعف البُنية التحتية، في مشهد لا يليق بطريق يحمل كُل هذه الأهمية الاقتصادية.
والسؤال الذي تجب الإجابة عنه: «كم روحاً يجب أن تُزهق حتى يُصبح إصلاح الطريق أولوية حقيقية؟ حتى تتحول القرارات من وعود إلى إنجازات على الأرض؟».
طريق مضى على إنشائه عقود، لكنه ما يزال على الوضعية نفسها، من دون بُنى تحتية مهيأة لمثل هذا الطريق، الذي يخدم مواطنين وحركة تجارية واقتصادية.. طريق أصبح يُشكل «بُعبعاً» لأبناء البادية الشمالية، إلى درجة أن أحد قاطني هذه المنطقة يؤكد أن الشخص يظل على أعصابه عندما يُغادر أحد أفراد عائلته أو عندما يستقبل ضيفاً.
أُناس يعيشون على أعصابهم، جراء المُعاناة من ذلك الطريق، كيف لا؟ وهم يفقدون فلذة من فلذات أكبادهم، وإذا لم يفقدوا أخا أو قريبا أو صديقا، فإنهم قد يكونون عرضة لدفع «الدية» جراء حوادث الدهس، والتي من أسبابها الرئيسة الطريق نفسه.
حوادث طريق بغداد الدولي أصبحت مؤشراً على خلل يتطلب مُعالجات وليس مُعالجة واحدة، إذ لا يكاد يمر وقت حتى يستيقظ الأردن على خبر حادث جديد، أو وفاة أو إصابات جديدة، وكأن هذا الطريق كُتب عليه أن يكون محطة للفقد والحزن، بدلاً من أن يكون طريقاً للتنمية والتواصل.
الضحايا ليسوا أرقاماً في بيانات رسمية، بل هم آباء وأمهات وأبناء وأصدقاء وأقارب فقدتهم أُسرهم إلى الأبد.. وكُل حادث جديد يترك خلفه أطفالاً بلا آباء، وأمهات ثكالى، وأحلاماً انتهت على «طريق» أنهكه الإهمال قبل أن تُنهكه المركبات.
عشرات المُطالبات والرسائل وصلت، بطريقة أو أُخرى، إلى مسؤولين وجهات معنية، إلا أنه يبدو أن حظ الأردنيين بشكل عام، وأهالي البادية الشمالية بشكل خاص، أن يعيشوا الألم تلو الألم، ويتعايشوا على قاعدة: «أن الطريق ظل يسبق القرارات، والحوادث كانت دائماً أسرع من الإصلاح».
صحيح، أن أجزاء من الطريق تشهد اليوم أعمال توسعة وصيانة وتحسين لعناصر السلامة المرورية، وهي خطوات لا يُمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها، لكنها ما تزال غير كافية أمام حجم الخطر الذي يُمثله الطريق بأكمله.. فـ»الترقيع» لا يصنع طريقاً آمناً، والمُعالجات الجزئية لا توقف نزيف الأرواح.
إن المسؤولية اليوم لا تُقاس بعدد المشاريع المُعلن عنها، وإنما بعدد الأرواح التي يُمكن إنقاذها.. وكُل يوم يتأخر فيه استكمال أعمال التأهيل الشامل، وإصلاح الحفر، وتوسعة المقاطع الخطرة، وتحسين البُنية التحتية، قد يكون ثمنه حياة إنسان جديد.
الرسائل التي وصلت إلى الجهات المعنية خلال الفترة الماضية، وما تزال تتكرر اليوم، ليست رسائل احتجاج بقدر ما هي صرخة، يملؤها الوجع المغموس بفقدان الأرواح.. حماية الإنسان هي جوهر أي مشروع تنموي، ولا يجوز أن يبقى طريق بحجم طريق بغداد الدولي رهينة البطء الإداري أو تأجيل الأولويات.
التاريخ لا يتذكر عدد البيانات الصادرة بعد كُل حادث، بل يتذكر من اتخذ القرار في الوقت المُناسب، ومن أنقذ الأرواح قبل أن تُضاف أسماء جديدة إلى قوائم الضحايا.. ويبقى السؤال: «هل سنعتبر طريق بغداد الدولي قضية وطنية لا تحتمل المزيد من التأخير؟».







