اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: الأردن الذي لا يملك المضيق ويدفع الفاتورة

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


لا يملك الأردن ناقلة نفط، ولا يطل على الخليج، ولا يشارك في الصراع الدائر حول مضيق هرمز، لكنه يعرف أثره كل صباح، في فاتورة الوقود، وكلفة الكهرباء، وأسعار النقل، ثم في كل سلعة تصل إلى السوق بعد أن تكون قد دفعت نصيبها من التوتر الإقليمي.
 

هذه واحدة من مفارقات الجغرافيا الأردنية، فنحن دولة لا تصنع معظم الأزمات الكبرى من حولها، لكنها نادرا ما تنجو من كلفتها، وحين يتعطل ممر بحري على بعد آلاف الكيلومترات، أو يرتفع سعر النفط بفعل ضربة عسكرية أو تصريح سياسي، يصل الأثر إلى الخزينة وجيب المواطن بسرعة لا تحتاج إلى تأشيرة عبور.
الطاقة في الأردن ليست بندا اقتصاديا عاديا، بل واحدة من أكثر نقاط السيادة حساسية، لأن جزءا كبيرا من استقرار الأسعار والإنتاج والنقل يبقى معلقا بقرار لا يصدر في عمان، وبطريق بحري لا نملك حمايته، ولذلك فإن تثبيت أسعار المحروقات، مهما كان ضروريا في لحظة حرجة، يظل إجراء دفاعيا ينقل العبء مؤقتا من المستهلك إلى الموازنة، لكنه لا يلغي الفاتورة.
المشكلة أن إدارة الطاقة بقيت طويلا أسيرة منطق الطوارئ، نخزن ما يكفينا لفترة، ونبحث عن مورد بديل عند انقطاع مورد، ونعود في كل أزمة إلى الأسئلة نفسها، مع أن دولة تعيش في إقليم مضطرب لا يجوز أن تظل خطتها الطاقية مرتبطة فقط بقدرتها على اجتياز الأزمة التالية.
والأمر نفسه ينطبق على المياه، فالطاقة والمياه في الأردن ملفان متداخلان، إذ تحتاج المياه إلى الطاقة للضخ والنقل والتحلية، وتحتاج مشروعات الطاقة إلى موارد وبنية تحتية وتمويل وخبرات، ولذلك لا يمكن إدارة أي منهما داخل حدود وزارة أو مؤسسة منفردة، ولا بعقل بيروقراطي مهما بلغت كفاءته.
هنا تظهر الحاجة الحيوية إلى بيوت الخبرة الوطنية، لا باعتبارها بديلا عن الحكومة، بل شريكا يوسع أمامها مساحة التفكير والحركة، ومن أبرز هذه البيوت في الأردن جمعية إدامة، التي أسست عبر أعضائها من الشركات والأفراد قاعدة خبرة حية في الطاقة والمياه والاستدامة، تجمع بين المعرفة الفنية وتجربة السوق والقدرة على الوصول إلى المستثمرين والمؤسسات الدولية.
ميزة هذه البيوت أنها أكثر مرونة بطبيعتها من الوزير والموظف العام، فالوزير تحكمه مسؤولياته السياسية والإدارية، والموظف تقيده الأنظمة وحدود التفويض، بينما يستطيع الخبراء وممثلو القطاع التحرك في اتجاهات أوسع، واختبار الأفكار، وبناء الشراكات، ونقل التجارب، والعمل سفراء لقطاع يحتاج إلى من يقدمه خارج الحدود بلغة الاستثمار والجدوى والاستدامة.
تجاهل هذه الخبرات، أو استدعاؤها بعد اكتمال القرارات، يهدر موردا وطنيا لا يقل أهمية عن الغاز والشمس والمياه، فالقرار الأقوى هو الذي تصنعه الدولة بعد أن تسمع من يعرف السوق ويعمل داخله، لا الذي تطلب منه التصفيق بعد صدوره.
ليس مطلوبا من الأردن أن يمتلك المضيق أو يمنع العاصفة، بل أن يبني قدرة أكبر على امتصاصها، وهذا يبدأ من تنويع المصادر والتخزين والطاقة المتجددة، لكنه يمر أيضا عبر الاعتراف بأن الأمن الطاقي والمائي لا تصنعه الحكومة وحدها، بل دولة تعرف كيف تستخدم كل ما لديها من عقول وخبرات.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية