اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: احتكار السلاح أم احتكار المعايير؟

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


يُعدّ احتكار الدولة للسلاح والاستخدام المشروع للقوة أحد أهم أسس الدولة الحديثة، فلا سيادة حقيقية مع وجود جماعات مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية. ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوات إلى نزع سلاح الميليشيات وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة مطالب مشروعة وضرورية لحماية الأمن والاستقرار. غير أن هذا المبدأ يفقد صدقيته عندما يُطبَّق بصورة انتقائية، فيصبح ملزماً لبعض الدول والجماعات، بينما يجري تجاهله عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والمستوطنين المسلحين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
 

تطالب الولايات المتحدة لبنان بحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله، وقد دعمت خطةً لتولي الجيش اللبناني السيطرة على جميع الأسلحة الخارجة عن سلطة المؤسسات الرسمية. وفي العراق، تضغط واشنطن من أجل تفكيك الفصائل المسلحة أو دمج عناصرها بصورة فردية ومنضبطة في الأجهزة الرسمية، وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت والتدخلات الخارجية. أما في اليمن، فتتحرك ضد ترسانة الحوثيين الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتؤكد ضرورة استعادة مؤسسات الدولة سلطتها على الأراضي والموارد والموانئ. وفي سورية، تدعم بناء جيش وطني موحد، ودمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارة الدفاع، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
من حيث المبدأ، لا غبار على هذا التوجه؛ فانتشار السلاح خارج سلطة الدولة يؤدي إلى تعدد مراكز القرار، وإضعاف السيادة، وتهديد السلم الأهلي، وتحويل المجتمعات إلى ساحات للصراعات الإقليمية والدولية. لكن السؤال الجوهري هو: لماذا يتوقف هذا المبدأ عند حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ ولماذا يصبح تسليح المدنيين خطراً على الدولة في بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، بينما يُقدَّم تسليح المستوطنين الإسرائيليين بوصفه إجراءً مشروعاً لتعزيز الأمن؟
منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، قادت وزارة الأمن القومي الإسرائيلية، برئاسة إيتمار بن غفير، حملة واسعة لتسهيل حصول الإسرائيليين والمستوطنين على الأسلحة. وتشير الأرقام الإسرائيلية المنشورة إلى منح أكثر من 250 ألف رخصة سلاح شخصية خلال أقل من ثلاثة أعوام، بعدما كان عدد حاملي التراخيص أقل بكثير قبل الحرب. كما جرى توسيع نطاق المناطق المؤهلة للحصول على السلاح ليشمل مستوطنات إضافية في الضفة الغربية، إلى جانب تسليح مئات فرق الطوارئ المحلية وتزويدها بالبنادق الهجومية. وفي السنة الأولى وحدها، أعلن بن غفير توزيع نحو 120 ألف قطعة سلاح، فضلاً عن الأسلحة التي وزعها الجيش على فرق الحماية ووحدات الدفاع الإقليمي.
الأخطر أن بعض المستوطنين أُدمجوا في تشكيلات عسكرية إقليمية، فباتوا يجمعون بين صفة المستوطن المدني والصفة العسكرية، ويحملون أسلحة تابعة للجيش ويمارسون صلاحيات أمنية في بيئة احتلال. وهذا التداخل يطمس الحدود بين المدني والعسكري، ويعقّد تحديد المسؤولية وسلسلة القيادة، ويخلق واقعاً يسمح باستخدام القوة ضد الفلسطينيين في ظل ضعف الرقابة والمساءلة.
ولا يمكن فصل هذا التسليح عن التصاعد غير المسبوق في اعتداءات المستوطنين. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1.800 اعتداء للمستوطنين خلال عام 2025، بمعدل يقارب خمسة اعتداءات يومياً، كما أُصيب أكثر من 830 فلسطينياً في تلك الاعتداءات خلال العام نفسه. ومنذ مطلع 2023 وحتى نيسان (أبريل) 2026، تعرض 45 تجمعاً فلسطينياً للتهجير الكامل بسبب اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، فيما شهدت عشرات التجمعات الأخرى تهجيراً جزئياً. وهذه الأرقام لا تعكس حوادث فردية معزولة، بل نمطاً منظماً من العنف يؤدي إلى مصادرة الأرض ودفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية
إن حصول المستوطن على ترخيص إسرائيلي لا يزيل خطورة السلاح ولا يمنحه شرعية دولية، خصوصاً أن المستوطنات أُنشئت داخل أراض محتلة وتُعد غير قانونية وفق القانون الدولي. كما أن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بحماية السكان الفلسطينيين والمحافظة على النظام العام، لا بتسليح جماعات مدنية تقيم بصورة غير مشروعة على أراضيهم. وعندما تتحول فرق الحماية إلى قوة موازية تعمل إلى جانب الجيش، فإن الدولة لا تحتكر السلاح فعلياً، بل تفوض استخدامه إلى جماعات أيديولوجية قد تستعمله لترهيب السكان الأصليين والاستيلاء على أراضيهم.
أما الموقف الأميركي، فقد تجاوز حدود الصمت السياسي. صحيح أن إدارة الرئيس جو بايدن فرضت عام 2024 عقوبات على مستوطنين وجماعات متهمة بالعنف، ومنها جماعة «شباب التلال»، لكن الرئيس دونالد ترامب ألغى في كانون الثاني (يناير) 2025 الأمر التنفيذي الذي استندت إليه تلك العقوبات، وأزالت وزارة الخزانة الأسماء المعاقبة من قوائمها. وبذلك تراجعت واشنطن عن إحدى أدوات المساءلة المحدودة، من دون أن تفرض ضغطاً فعلياً لوقف سياسة تسليح المستوطنين. 
إن ازدواجية المعايير هنا لا تضر بالفلسطينيين وحدهم، بل تقوض صدقية السياسة الأميركية والنظام الدولي بأكمله. فلا يمكن لواشنطن أن تطالب العرب بنزع سلاح الجماعات المسلحة، ثم تقبل تسليح المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال. وإذا كان احتكار الدولة للسلاح قاعدة ضرورية، فيجب تطبيقها على الجميع بلا استثناء، ومطالبة إسرائيل بجمع أسلحة المستوطنين، وتفكيك فرقهم المسلحة، والتحقيق في اعتداءاتهم، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حماية الفلسطينيين.
فالمبادئ لا تُقاس بقوة الحليف أو هوية الضحية. وإما أن يكون السلاح المنفلت خطراً في كل مكان، أو تتحول الدعوة إلى نزعه من قاعدة قانونية وأخلاقية إلى أداة سياسية انتقائية. ولا يمكن بناء سلام حقيقي في المنطقة ما دام السلاح يُنزع من طرف، بينما يُوزع على طرف آخر ليستخدمه في تكريس الاحتلال وتهجير أصحاب الأرض.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية