كراجة يكتب: الهوية الأردنية بخير
سائد كراجة
نعيش في الأردن لحظةً تاريخيةً فارقة، ليس لأننا نواجه تحديات اقتصادية تتعلق بالميزانية، والدين الأجنبي، والبطالة فحسب، ولا بسبب التحديات الجيوسياسية وحدها، وإنما أيضًا بفعل تداعيات الحرب الصهيونية التي تقودها أمريكا ضد إيران.
لا نقدس إيران، ونعلم مشاريعها الطائفية، ونقول إنها لو دخلت المنطقة عبر الدول- على صعوبة ذلك لأسباب معروفة - لا عبر الميليشيات، لكان ذلك أكثر حكمة. لكننا نرى أن الحرب عليها هي حرب صهيونية على نظام أعلن موقفًا مبكرًا ضد مشروع إسرائيل الصغرى والكبرى، ولو تحول غدًا النظام الإيراني إلى نظام مؤيد لإسرائيل لانتهت هذه الحرب في لحظتها.
وليس فيما أقول أدنى تردد في إدانة أي استهداف لأرض الأردن أو المساس بأمنه وسيادته. وأعتقد أن الوقوف مع الأردن في مواجهة أي خطر أولوية تتقدم على أي نقاش حول اصطفافات الأردن أو مواقفه، وهو نقاش يبقى مشروعًا، لكنه يُؤجَّل حتى زوال الخطر.
ولهذا، فإن الحديث عن الهوية الأردنية اليوم ليس ترفًا فكريًا ولا اشتغالًا بقضية مؤجلة، بل هو جزء من فهم قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة هذه اللحظة التاريخية بما تحمله من تحديات وأخطار.
الشعب الأردني، الذي كان قد تشكل في الحدود الجغرافية المعروفة اليوم بالأردن قبل تأسيس الدولة الأردنية، شعب نادر في نمط سلوكه السياسي والاجتماعي. فرغم تشكل حسه السياسي الوطني مبكرًا، ورغم قيام الجمعيات والأحزاب ذات الأجندة الأردنية، فقد حمل هذا الشعب روحًا قوميةً حضارية، دون تعصب أو انعزالية. كما حمل من موقعه هذا الهوية النضالية الفلسطينية منذ العشرينيات، وتنبه مبكرًا لخطر المشروع الصهيوني على المنطقة، فكايد العبيدات، عندما انطلق لمهاجمة بريطانيا والصهيونية، لم يكن أردنيًا يذهب إلى فلسطين، بل كان أردنيًا عربيًا يناضل من أجل قضيته.
وحمل الأردنيون «الشراقة»، إن صح التعبير، الهوية النضالية الفلسطينية، بمعنى التماهي في نصرة فلسطين وتاجها القدس. ولا ننسى الفدائي الأول، رحمه الله. وانتشرت قصص تبني الناس للفدائيين في المحافظات، وهاجر شباب الكرك والسلط والمفرق وإربد إلى أماكن وجود الفصائل الفلسطينية، وانضموا إليها، وكانوا قادة في النضال الفلسطيني. ولا شك أن كثيرين منهم قدموا هذه الهوية النضالية على التعبير عن هويتهم الأردنية، وأعتقد أن ذلك كان نابعًا من الثقة بهذه الهوية، فلم تزاحمها في ضميرهم هوية ثانية.
وللأسف، واجه أهل الأردن هجومًا تاريخيًا من المد القومي العربي بسبب اصطفاف الأردن مع أميركا والغرب عمومًا، وتجاوز هذا الخلاف السياسي إلى الطعن في الشعب وماهيته، وأنتج مصطلحات مثل «الدولة الوظيفية» و»الشعب الوظيفي»، رغم أن الأردن، شأنه شأن بقية الدول العربية، نشأ في سياق سايكس-بيكو، لكن هذا الوصف أُلصق به وحده.
اليوم، وبموضوعية تامة، الأردن هوية واضحة، تشكلت، كما تشكل حسها السياسي قبل الدولة وبعدها.
وأرى أن الشعب الأردني والشريف الحسين بن علي التقيا في لحظة قومية حضارية لتشكيل الدولة العربية التي قاومت الاستعمار؛ لأن تلك اللحظة كانت تتوافق مع ضمير الشعب الأردني وتكوينه. ولذلك، فإن الهوية الأردنية راسخة وواضحة، لا تحتاج إلى استحداث أو استجلاب، أما السردية الأردنية فيمكن، بل من الواجب، أن تُجمع وتُوثق، جمعًا وتوثيقًا بأثر كاشف لا منشئ، كما يقول أهل القانون.
ومن ثقة وعقيدة راسختين، استقبل الأردنيون العرب وغير العرب، لا لتشكيل هوية مفقودة، بل ممارسةً لهوية قومية دينية راسخة، وتعاملوا معهم باعتبارهم جزءًا من النسيج الوطني. وهذا واقع يتحدث به التاريخ، وليس نصًا منشئًا لهذه الهوية. ولذلك اندمج هؤلاء في الدولة، وانتشروا في الطبقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولم يتشكل في الأردن مكون سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي منعزل يجعل المجتمع جزرًا منفصلةً عن بعضها.
الأمور في الأردن بسيطة وواضحة؛ فالمواطنة رابطة قانونية محسوم أمرها، والدولة لا تعرف إلا مواطنين أردنيين، وغيرهم، إن قلوا أو كثروا، ليسوا أردنيين، لا واقعًا ولا قانونًا. والأهم أن عامة الناس تعيش الهوية الأردنية عمليًا ويوميًا دون نقاش، فهم مواطنون يعيشون في وطن واحد. وقد يوجد من يشذ عن ذلك ويرفض الهوية أو الدستور أو يعارض الدولة، لكن الاستثناء لا ينقض القاعدة.
دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة من أكثر من تحدث في الهوية، ونقَّب فيها وحررها في الجغرافيا والتاريخ. وهو، عندما يتحدث عن فلسطين، يقول: «قل لي الشقيق السوري والشقيق اللبناني، أما الفلسطيني فهظول احنا». وهل تريد فلسطينية أكثر من ذلك؟
الدستور الأردني واضح، والسردية الأردنية قديمة وراسخة، يمكن أن تُجمع وتُوثق، وهذا مهم، ولكن ليس من موضع الإنشاء والخوف، بل من موضع الثقة الذاتية العضوية التي صاحبت تشكلها، والأهم أن تُعمَّم في الإعلام والتعليم بصيغتها الأصلية الواثقة.
لذلك، فالهوية الأردنية ليست محل خلاف، ولا تشكل نزاعًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا، وما يثار حولها يظل، في معظمه، جدلًا نخبويًا.
جنابك.







