شطناوي يكتب.. بعد التوجيه الملكي.. ترشيد الطاقة كفاءة واعية لا دعوة للتقشف
ياسر شطناوي
في لحظة إقليمية تتطلب أعلى درجات اليقظة والاستعداد، يصبح ترشيد استهلاك الطاقة "أكثر من مجرد توفير في الكلفة" أنه تعبير وترجمة عملية للمسؤولية الوطنية وإسهام مباشر في تعزيز مناعة الاقتصاد وحماية استدامة الخدمات، فحين نحسن استخدام الطاقة، لا نوفر موردا فحسب بل نوسع هامش الأمان الوطني، ونعزز قدرة الأردن على مواجهة المتغيرات بثبات.
هذه الدعوة تأتي في زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية، وتتزايد فيه هشاشة سلاسل الإمداد وتقلبات أسواق الطاقة، حيث لم يعد السؤال: هل نملك ما يكفي من الطاقة؟ بل اصبح هل نمتلك منظومة قادرة على الصمود، ومجتمعا يدرك أن حسن استخدام الموارد جزء من حماية الوطن؟
هنا تأتي توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة بتعزيز المخزون الاستراتيجي للطاقة ورفع جاهزية المنظومة الوطنية وضمان استدامتها، لتؤكد أن أمن الطاقة لم يعد ملفا فنيا أو اقتصاديا معزولا، بل أصبح أحد مكونات الأمن الوطني، وركيزة من ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
نشعر "بالراحة والحذر معا" عندما يكون المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية ومختلف مصادر الطاقة ضمن مستويات آمنة، وهو ما يعكس نهجا استباقيا في إدارة المخاطر وتعزيز القدرة الوطنية على مواجهة المتغيرات، غير أن المخزون مهما بلغت أهميته ليس بديلا عن الإدارة الرشيدة للطلب، "فالأمن الطاقي لا يُبنى بالاحتياطيات وحدها وإنما يتعزز بكفاءة الاستهلاك والحد من الهدر وتحويل الطاقة من مورد يُستهلك بلا حساب إلى قيمة وطنية تُدار بمسؤولية".
الأمر الذي يجب أن يدركة الجميع أن "ترشيد الطاقة ليس دعوة إلى التقشف، بل ممارسة واعية لكفاءة الاستخدام" وهو لا يعني تقليل جودة الحياة أو تعطيل النشاط الاقتصادي، بل تحقيق القيمة ذاتها بموارد أقل، وتقليل الفاقد، وتخفيف الضغط على البنية التحتية، وتعزيز مرونة المنظومة الوطنية، فكل كيلوواط يتم توفيره وكل لتر وقود يُستهلك بوعي،ط وكل ممارسة تحد من الهدر تسهم في حماية الموارد وتعزيز قدرة الدولة على إدارة الطلب والاستجابة للظروف الاستثنائية.
نعم .. مسؤولية الترشيد لا تقع على الحكومة وحدها، كما لا يمكن اختزالها في حملات توعوية موسمية على أهميتها، إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من المنزل وتمتد إلى المؤسسات العامة والقطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية، فرفع كفاءة الطاقة "يجب أن يتحول من خيار تشغيلي إلى ثقافة" ومن سلوك فردي إلى التزام مجتمعي، ومن استجابة ظرفية إلى نهج دائم.
الظروف الإقليمية الراهنة تؤكد لنا أن ترشيد الطاقة واجب وطني هام لأنه يعزز قدرة المنظومة على الاستمرار ويحد من الضغوط غير الضرورية ويدعم كفاءة إدارة الموارد المتاحة، فالدولة تبني المخزون وتطور البنية التحتية وترفع الجاهزية، لكن المجتمع يملك دورا لا يقل أهمية في صون هذه الجهود من خلال الاستهلاك المسؤول.
إن قوة منظومة الطاقة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من احتياطيات بل بقدرتها على إدارة الطلب واستدامة الإمدادات والتكيف مع المتغيرات، فبين المخزون الاستراتيجي وكفاءة الاستهلاك تتشكل معادلة الأمن الطاقي، الأول يوفر هامش الأمان، والثاني يحافظ على استدامته







