اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: بين الأصل والشبيه.. نمارس الأسماء ونغفل المضمون

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


نحن أقوام نرى كُل ما أنتجته الحضارة الحديثة حاضرًا في عالمنا العربي، إذ لدينا مؤسسات، برلمانات، صحافة، مهرجانات سينمائية، مسارح، أكاديميات، دساتير كُتبت بكلمات براقة، نقابات، هيئات مراكز أبحاث، جامعات.. كُل شيء موجود بالاسم، لكن بمُجرد أن نضع هذه المظاهر على محك التطبيق، نكتشف الحقيقة المرة: نحن نملك كُل شيء باسمه، ونفتقد كُل شيء بجوهره.
 

يعيش العربي اليوم، أزمة حقيقية، لا تتعلق أبدًا بنقص الإمكانات، بل هي «أزمة الشبيه»، حيث أصبحنا نُتقن مُمارسة المُحاكاة، وإعادة إنتاج الأشكال الخارجية دون أن نتكبد عناء استيعاب الروح التي أوجدتها.
الفنان الكبير الراحل، صلاح السعدني، اختصر كُل شيء، عندما وصف الفارق بين الواقع العربي والغربي بشكل دقيق، إذ يقول «إننا نملك كُل شيء بالاسم، يعني: تمثيل، صحافة، ديمقراطية، مؤسسات، إلى آخره. لكننا لا نُمارس الأصل بل نُمارس الشبه. أما الغرب فيُمارس الأصل الذي نُحاول تقليده. لذلك بقى عندهم المضمون، وبقي عندنا الأسم».
الغريب أن القاموس العربي لا يكاد يخلو من أي مفهوم حديث أو مُصطلح الإبداع. وليس الفرق بين من يملك الحضارة ومن يفتقدها، أو من لديه إبداع وآخر لا. بل الأهم هو «ماذا نُمارس من مضامين؟».
فالعرب يتعاملون مع المفاهيم بوصفها لافتات، بينما يتعامل معها الغرب بوصفها وظائف، فمثلًا يوجد عندنا مؤسسات، لكنها تدور حول أشخاص، في حين الأصل أن تدور حول النظام، يوجد صحف، لكنها ينبغي أن يكون لها استقلال مهني وحق الوصول إلى الحقيقة، يوجد عندنا انتخابات، إلا أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب، وإنما ثقافة قبول الآخر، وتداول السلطة، واحترام القانون.
باختصار، أستطيع القول إن الفرق بين الأصل والشبه، هو بين من يُمارس الفكرة، ومن يكتفي بمُحاكاتها.. العرب اتقنوا استيراد الشكل الخارجي للتجربة الحديثة، لكنهم عجزوا عن استيراد روحها. فعندما نُنشئ جامعات يجب أن نوجد بيئة حقيقية للبحث العلمي، وعندما نُصدر قانونًا يتوجب أن تكون سيادة القانون قيمة راسخة في السلوك العام.
وعندما يخطر على بال المرء سؤال: «لماذا بقيت الأسماء عندنا حاضرة، بينما ظل المضمون غائبًا؟»، أقول إن المُجتمعات الناجحة هي رسخت المبادئ بمعناها الحقيقي، ونبذت تقليد الأشكال. فالديمقراطية ليست احتفالًا انتخابيًا، بل منظومة مُتكاملة من الضمانات والرقابة والمحاسبة، والجامعة ليست مبنى، بل عقل يُنتج المعرفة، والمؤسسة ليست عنوانًا إداريًا، بل قواعد تستمر حتى عندما يتغير الأشخاص.
إن أزمة العالم العربي ليست نقصًا في المفاهيم، بل ضعفًا في تحويلها إلى مُمارسة يومية، فلدينا ما لدينا من أسماء، لكن الاسم لا يصنع الحقيقة، كما أن تقليد الصورة لا يخلق الأصل.
والخطر الذي قد يُصيب أي مُجتمع، هو اكتفائه بالشبه، ويتخلى عن «الأصل»، فعندما يُصبح الشكل بديلًا عن الجوهر، تتحول التنمية إلى شعارات، والإصلاح إلى خطابات، والثقافة إلى مُناسبات، والديمقراطية إلى إجراءات فارغة من مضمونها.. فنهضة الأُمم لا تبدأ باستيراد مُصطلحات، 
والحضارة ليست قاموسًا من الكلمات، بل منظومة مُمارسات.
نحتاج إلى صدق في تجسيد معاني المفاهيم، فالفرق بين العرب وبين الأُمم المُتقدمة، أن الأخيرة منحت الكلمات مضمونًا، بينما نحن نكتفي بترديد أسمائها.. لقد حان الوقت لنكف عن ممارسة الشبيه، والذي يتطلب أولًا إصلاح العقل والروح.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية