عوض يكتب: تثبيت أسعار المحروقات ودور الدولة
أحمد عوض
يُسجل للحكومة قرارها الحصيف بتثبيت أسعار المشتقات النفطية خلال شهر آب الحالي، رغم ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية واحتمالات استمرارها في الصعود في ظل تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة وارتفاع مستويات الضبابية وعدم اليقين. وتزداد أهمية هذا القرار في حالة الأردن، الذي يستورد الغالبية الساحقة من احتياجاته من النفط ومشتقاته، ما يجعله شديد التأثر بتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات الإمدادات.
لا شك أن تثبيت أسعار المحروقات، وعدم تمرير الارتفاعات العالمية مباشرة إلى المستهلكين، قد يترك أثراً سلبياً مؤقتاً على إيرادات المالية العامة، بسبب تراجع العوائد المتوقعة من الضرائب غير المباشرة المفروضة على المشتقات النفطية بنسب متفاوتة. غير أن تقييم القرار من زاوية الإيرادات المباشرة وحدها سيكون قراءة ضيقة، تتجاهل آثاره الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.
فالطاقة تدخل في مختلف مفاصل النشاط الاقتصادي، وأي ارتفاع في أسعار المحروقات ينتقل سريعاً إلى كلف النقل والإنتاج والتوزيع، ثم ينعكس على أسعار السلع والخدمات. لذلك، فإن تثبيت الأسعار يسهم في الحد من الاتجاه الصعودي لمعدلات التضخم الذي ظهر خلال الأشهر القليلة الماضية. والتضخم ليس مجرد مؤشر إحصائي، بل هو عدو للاقتصاد، لأنه يضعف القوة الشرائية للأسر، ويضغط على الطلب المحلي، ويرفع كلف الإنتاج، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
كما يخفف القرار أعباء إضافية كان يمكن أن تتحملها الأسر، خصوصاً الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، التي تنفق نسباً مرتفعة من دخولها على النقل والطاقة والاحتياجات الأساسية. فرفع أسعار المحروقات لا يتوقف أثره عند فاتورة الوقود، بل يمتد إلى معظم السلع والخدمات، بما فيها الغذاء والنقل والخدمات اليومية.
ومن شأن تثبيت الأسعار أيضاً أن يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي الاستقرار السياسي والأمني، من خلال الحد من الضغوط المعيشية المرتبطة بالفقر وتآكل الدخول. ذلك أن رفع أسعار المشتقات النفطية في الظروف الحالية كان سيؤدي إلى توسيع دائرة الفقر، ودفع مزيد من الأسر الهشة إلى مستويات أشد صعوبة، ورفع منسوب الاحتقان الاجتماعي. ومن هنا، فإن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ليست مسألة اجتماعية فقط، بل هي جزء أساسي من حماية الاستقرار العام للدولة.
وسيستفيد القطاع الخاص أيضاً من القرار، بمختلف أحجام منشآته، من خلال تخفيف الضغوط على الكلف التشغيلية وتمكينه من الصمود والاستمرار وتحقيق الأرباح. وهذا مهم لحماية المنشآت والمحافظة على فرص العمل القائمة، ومنع تسرب المزيد من العاملين إلى صفوف المتعطلين عن العمل، في وقت ما تزال فيه البطالة من أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن.
وحتى من منظور المالية العامة، فإن استمرار الأنشطة الاقتصادية في العمل تحت ضغوط أقل يعني الحفاظ على مستويات أفضل من الإنتاج والمبيعات والأرباح، وبالتالي استمرار تدفق الإيرادات من ضريبة الدخل والضريبة العامة على المبيعات وغيرها من الرسوم.
من هنا، يعكس قرار تثبيت أسعار المحروقات منطق إدارة الدولة الإستراتيجي، الذي يوازن بين الإيرادات والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ولا يتعامل مع المواطنين والقطاعات الإنتاجية بمنطق إدارة الشركات التي تركز على الربح المباشر وحده. فالدولة الرشيدة تقيس نجاح قراراتها بقدرتها على حماية الاقتصاد والمجتمع معاً.







