العثامنة يكتب: الأردن الذي لم نحسن روايته
مالك العثامنة
حين يوقع الأردن اتفاقية لنقل معرض "الأردن: فجر المسيحية" إلى واشنطن، بعد أن تم عرضه في الفاتيكان ومدينة أسيزي الإيطالية، فالمسألة أكبر من نشاط ثقافي أو ترويجي عابر، بل نحن أمام محاولة متأخرة، لكنها مهمة، لاستعادة جزء أساسي من قصة هذا البلد، قصة يعرف العالم شذرات منها، بينما لم نحسن نحن جمعها في رواية واحدة واضحة ومقنعة.
لقد قدم الأردن نفسه طويلا بوصفه بلدا آمنا في إقليم مضطرب، وهذه صورة صحيحة ومفيدة، وتم تقديمه أيضا من خلال البترا ووادي رم والبحر الميت، وهي كنوز لا خلاف عليها، لكن الأردن أقدم وأوسع من هذه الصورة السياحية المكررة، ففي هذه الأرض مواقع ترتبط ببدايات المسيحية، من المغطس إلى جبل نيبو ومكاور وتل مار إلياس وعنجرة، وفيها شواهد تمتد عبر العصور البيزنطية والإسلامية والهاشمية، وتقول إن المسيحية هنا ليست زائرة ولا هامشا، بل جزء أصيل من تاريخ المكان وهوية أهله.
المشكلة ليست في غياب المادة، بل في ضعف الرواية، فنحن نملك المواقع والآثار والرمزية الدينية، لكننا لا نملك حتى الآن مشروعا متكاملا يحولها إلى حضور عالمي مستدام، والفرق كبير بين أن تفتح معرضا ناجحا في عاصمة غربية، وبين أن تجعل من الأردن اسما حاضرا تلقائيا في الوعي المسيحي العالمي، ووجهة للحج والبحث والتعليم والثقافة، لا محطة إضافية في برنامج سياحي مزدحم.
وهذه ليست رواية دينية تخص المسيحيين وحدهم، ولا محاولة لتسويق المقدس كما تسوق السلع، بل رواية أردنية كاملة، لأن قيمة الأردن هنا لا تقوم فقط على وجود موقع تاريخي، بل على استمرار مجتمع عاش فيه المسلمون والمسيحيون معا، وعلى دولة تستطيع أن تقدم نفسها بوصفها حارسة لذاكرة مشتركة، لا صاحبة شعار موسمي، وهذه قوة ناعمة حقيقية، ربما تكون أكثر تأثيرا من عشرات الحملات الإعلانية التقليدية.
في عام 2030 تحل الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح، وهذه ليست مناسبة بروتوكولية، بل فرصة نادرة قد لا تتكرر في عمر أجيال، وإذا أحسن الأردن الاستعداد لها، فلن تكون عوائدها سياحية فقط، بل سياسية وحضارية أيضا، لأن الدول لا تصنع مكانتها بالقوة والاقتصاد وحدهما، بل بما تملكه من معنى، والأردن يملك معنى تاريخيا وروحيا يتجاوز حجمه وحدوده.
لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من تحسين الطرق والخدمات حول المواقع، مع ضرورة وأهمية ذلك، بل يحتاج إلى رواية وطنية تشترك فيها وزارات السياحة والثقافة والخارجية والتربية والتعليم والإعلام، وتبدأ من المدرسة الأردنية قبل أن تصل إلى واشنطن وروما، فمن غير المنطقي أن نطلب من العالم اكتشاف الأردن، بينما لا يعرف كثير من الأردنيين أنفسهم حجم الإرث الذي يقفون فوقه.
معرض "فجر المسيحية" خطوة ذكية، لكنه يجب ألا يبقى معرضا متنقلا ينتهي بإغلاق أبوابه، بل بداية لإستراتيجية تقول للعالم إن الأردن ليس مجرد بلد يحتفظ بالآثار، بل أرض خصبة بالتاريخ شاركت في صناعة ذاكرة إنسانية كبرى، والمفارقة أن هذه الرواية موجودة تحت أقدامنا منذ ألفي عام، لكننا تأخرنا كثيرا في رفع رؤوسنا وقراءتها.







