التل يكتب: صناعة المصطلحات وتضليلها: حالة غزة كدراسة
د. مصطفى التل
في خضم الصراع الدائر حول غزة تبرز واقعة الاتفاق الأخير كأبلغ مثال على كيفية صناعة المصطلحات وتوظيفها لتشويه الحقيقة وخلق روايات متضاربة حول الحدث ذاته.
فما جرى في الأسابيع الأخيرة من مفاوضات حول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يقدم نموذجاً حياً على معركة اللغة التي تدور بالتوازي مع معركة الأرض، حيث يصف كل طرف ما تم الاتفاق عليه بمصطلحات تخدم روايته وتُظهر انتصاره بينما يظل جوهر الاتفاق معلقاً بين تفسيرين متناقضين.
بدأت القصة عندما طرح نيكولاي ملادينوف الممثل السامي لمجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة مقترحاً جديداً أحدث اختراقاً كبيراً في المفاوضات المتعثرة حول غزة , جوهر هذا الاقتراح كان تحويل التركيز من (نزع سلاح حماس (إلى (تخزين الأسلحة) ، وهي صياغة قبلتها حماس لكن إسرائيل رفضتها , هذا التحول اللغوي الدقيق كان نقطة الانطلاق لكل ما تلا من تضارب في المصطلحات والروايات.
بحسب التقارير وافقت حماس والفصائل الفلسطينية على خطة لتنفيذ المرحلة الثانية، تتضمن عملية تدريجية لحصر وتخزين الأسلحة تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة , وربطت الحركة بدء هذه العملية بدخول اللجنة إلى القطاع ونشر قوة الاستقرار الدولية.
تشير المصادر إلى أن موقف المقاومة كان واضحاً وحاسماً : لا يمكن الحديث عن أي ترتيب يتعلق بالسلاح وخاصة السلاح الثقيل قبل انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع , فقد صرح غازي حمد عضو الوفد المفاوض لحماس قائلاً: "لن نتخذ أي إجراء بشأن نزع السلاح قبل انسحاب إسرائيل من القطاع" , مع تأكيد مصادر مصرية أن وفد حماس أكد أن نزع سلاح المقاومة يجب أن يأتي بعد انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع للانتقال إلى المرحلة الثانية، مشدداً على أن الأسلحة لا يمكن إزالتها بينما لا تزال إسرائيل موجودة في غزة .
بل إن حماس ربطت بشكل صريح إدراج قضية السلاح الثقيل في الاتفاق بشرط التوقف الكامل للعدوان والانسحاب الإسرائيلي والتقدم في جهود الإعمار , وفي تصريح حاسم رفض غازي حمد وصف الترتيب بأنه "نزع سلاح"، وأصر على أن مسألة الأسلحة تظل مرتبطة بتنفيذ بنود الاتفاق الأخرى وخاصة الانسحاب الإسرائيلي وبدء جهود الإعمار.
في المقابل أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مجلس السلام توصل إلى اتفاق "تاريخي" بشأن "نزع السلاح الكامل" لحماس وجميع الفصائل المسلحة في غزة , وأكد ترامب أن الاتفاق سينفذ على مراحل منظمة وأن القوات الإسرائيلية ستنسحب بعد اكتمال نزع السلاح.
وهكذا وُصف الحدث ذاته بعبارتين متناقضتين : (تخزين الأسلحة ) في الرواية الفلسطينية، و(نزع السلاح الكامل) في الرواية الأمريكية الإسرائيلية.
ولم تخف المصادر الأمريكية أن إسرائيل تبدي شكوكاً عميقة في أن حماس ستسلم أسلحتها فعلياً، بينما عبر مسؤول أمريكي عن ثقته في أن الحركة ستلتزم مضيفاً أن ترامب سيكون "خائب الأمل جداً" إن لم تفعل .
هذا التضارب يعكس فجوة حقيقية بين ما تعتقد إسرائيل أنها حصلت عليه وما تعتقد حماس أنها قدمته.
لم تتوقف صناعة المصطلحات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل كل جوانب الاتفاق, فاللجنة الوطنية لإدارة غزة التي قبلت حماس نقل السلطة إليها، وصفتها المصادر الفلسطينية بأنها "لجنة تكنوقراط" مستقلة، بينما أشارت التقارير الغربية إلى أنها جزء من خطة أمريكية لإقصاء حماس عن الحكم بشكل نهائي.
كذلك فإن قوة الاستقرار الدولية التي من المقرر أن تنشر في غزة وصفتها الرواية الرسمية بأنها قوة لحفظ الأمن والاستقرار، بينما أشارت التسريبات إلى أنها ستتمتع بحصانة قانونية بموجب القانون الإسرائيلي وستعمل بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي خارج مناطق سيطرته.
إن هذا التضارب في المصطلحات ليس مجرد خلاف لغوي عقيم بل هو معركة حقيقية حول جوهر الاتفاق ومآلاته :
فإسرائيل التي لم تصدر رداً رسمياً على الاتفاق تتمسك برواية "نزع السلاح الكامل" كشرط مسبق لأي انسحاب، بينما تصر حماس على أن ترتيب "تخزين الأسلحة" مرتبط بخطوات متبادلة، وأنها لن تفي بالتزاماتها ما لم تنفذ إسرائيل التزاماتها المقابلة وفي مقدمتها الانسحاب الكامل من القطاع , وقد عبر عضو المكتب السياسي لحماس باسم نعيم عن ذلك بوضوح قائلاً: "الكرة الآن في ملعب إسرائيل" للوفاء بالتزاماتها.
تبقى حالة غزة والاتفاق الأخير شاهداً على كيف يمكن للغة أن تصبح ساحة معركة موازية، وكيف يمكن لمصطلحات مثل "نزع السلاح" و"تخزين الأسلحة" أن تحمل في طياتها روايات متضاربة حول نفس الحدث.
فبينما يصف ترامب الاتفاق بأنه "تاريخي" ويتحدث عن "نزع السلاح الكامل"، يؤكد مسؤولو حماس أن الترتيب لا يتضمن نزع سلاح الفصائل، وأن الأمر مجرد "تخزين" تحت إشراف وطني، وأن السلاح الثقيل بالتحديد لن يغادر أيدي المقاومة إلا بعد أن تغادر إسرائيل غزة بأكملها.
هذه الفجوة بين الروايتين ليست مجرد خلاف في التوصيف، بل هي انعكاس لصراع أعمق حول مستقبل غزة وحول من يملك الحق في تعريف المصطلحات وتحديد معناها في سياق الصراع الأطول أمداً في الشرق الأوسط.







