اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الرنتاوي يكتب: هل تطوي صناديق الاقتراع الصفحة الأخيرة لكل من عباس ونتنياهو؟

{title}
أخبار الأردن -

 

كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.

27 تموز/يوليو 2026

على مبعدة أسابيع وأشهر قلائل، سيرتسم خط النهاية للمسيرة السياسية لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ما لم يطرأ، بالطبع، ما ليس في الحسبان، في إقليم اعتاد أن يستيقظ صبحية كل يوم، على وقع مفاجأة من العيار الثقيل.

في مختتم أكتوبر/تشرين أول المقبل، ستُفتح مراكز الاقتراع أبوابها في إسرائيل، في انتخابات تجري على غير عادة، في موعدها "الدستوري"، وسط تقديرات بأن حظوظ نتنياهو للفوز مرة أخرى، تتراجع باضطراد، حزيه "الليكود" يحلّ ثانياً في آخر استطلاعات الرأي العام بعد حزب "يشار"، حديث النشأة، وغريمه غادي إيزنكوت، يوسع الفجوة لصالحه كأنسب شخصية إسرائيلية لتشكيل حكومة جديدة.

من الراجح، أن تُسدِل الانتخابات الستار على فصل طويل وممتد في الحياة السياسية الإسرائيلية والإقليمية، تصدّره "ملك إسرائيل"، وترك بصماته الثقيلة عليه، سيما في سنوات الحرب الثلاث الأخيرة، حيث تبدّلت قواعد اللعبة، واختلفت قواعد الاشتباك، وطرأ من التطورات، ما سيجعل إسرائيل والإقليم، بعدها، غير ما كانا عليه من قبلها.

نقول من الراجح، ولا نقول من المؤكد، أولاً؛ لأن الرجل أتقن فنون النجاة والبقاء، وثانياً؛ لأن التطورات المتسارعة في الإقليم، قد تأتي برياح تشتهيها سفنه، إن على جبهة الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي حرب إسرائيلية في المقام الأول، وإن لم يكن الأخير، أو على جبهة الحروب الخفيضة على جبهات لبنان وغزة وسوريا، والمرشحة دوماً للانفجار على نطاق واسع، إن طرأ جديد ناشئ.

في إسرائيل، تترقب المعارضة بفارغ الصبر، لحظة الاقتراع، بيد أنها تتحسب، كما تتحسب عواصم القرار الإقليمي والدولي، لاحتمالات أخرى، قد تقلب الطاولة على رؤوس اللاعبين والمراقبين، من بينها قيام نتنياهو بتوسيع دائرة حروبه وتصعيدها، وهنا تبدو غزة ولبنان في قلب المهداف، ومنها أيضاً، قيام الرجل ودولته العميقة التي أعاد تشكيلها وصياغتها على صورته وشاكلة اليمين الأكثر تطرفاُ، بالتلاعب بنتائج الانتخابات، أو تزويرها كما يقال بالفم الملآن من قبل بعض رموز المعارضة وقادتها ... "الديمقراطية" الإسرائيلية بلغت مستوى من التردي في عهد نتنياهو، حدّاً يسمح ببروز مخاوف من هذا النوع، ظلّت غائبة عن قاموس السجال الداخلي الإسرائيلي منذ نشأة الكيان، وربما هذا وجه جديد من وجوه التردي التي سمحت لنا في مقالات سابقة، أن نقول بأن إسرائيل "تتمشرق" تحت زعامة نتنياهو واليمين الديني والقومي الأكثر تطرفاً.

نتنياهو سيغادر المسرح السياسي الإسرائيلي، إن بفعل صناديق الاقتراع، أو على وقع "مطرقة القضاء"، وربما الاثنتين معاً، سيما وأن الرجل أخذ يتحول من ذخر إلى عبء على حلفاء كثيرين له، في الولايات المتحدة وأوروبا، بمن فيهم "الداعم الأخير" له ولحكومته، سيد البيت الأبيض، على حد تعبير جي دي فانس.

نتنياهو سيغادر المسرج السياسي، على الأرجح، وهذا مكسب كبير، سياسي ومعنوي، لن تقلل من شأنه حقيقة أن أيٍ من خلفائه لن يكون أحسن منه بالضرورة، ولكنه لن يكون بقوته ومكانته التي اكتسبها طيلة أزيد من عقود أربعة في قلب الحياة السياسية الإسرائيلية والدولية.

انتخابات "التشريعي"

على المقلب الأخر، يضرب الفلسطينيون بدورهم، موعداً في مختتم نوفمبر/تشرين الثاني القادم، مع صناديق الاقتراع، في أول انتخابات تشريعية فلسطينية ستجري منذ عقدين من الزمان، وبعد خمس سنوات من إلغاء آخر موعد لإجرائها بحجج وذرائع بالية، أريد بها إخفاء الخشية من نتائجها والخوف من انفلات عقد السلطة والحكم من بين أيدي فئة متنفذة بالسلطة والقرار من دون رقيب أو حسيب.

كان من المفترض أن تتزامن الانتخابات التشريعية مع أخرى رئاسية، لكن الرئيس محمود عباس آثر فصلهما، وبفارق زمني قد يصل إلى نصف عام، لأسباب في نفس يعقوب، ويعقوب هنا هو الرئيس بعينه، وفي ظني أن من بينها؛ (1) خشيته من خسارة الانتخابات، برغم جهوده المضنية لـ"هندستها" وضمان نتائجها قبل التئامها، فإن جرت الانتخابات متزامنة، قد يخسر الموقعين الرئاسي /التنفيذي والتشريعي معاً، وفي حال انفصالهما قد يخسر التشريعية ويُبقي الرئاسية معلقة على شتى الاحتمالات... (2) رغبته في إعداد بديل لخوض غمار الاستحقاق الرئاسي، إذ لا يعقل بكل الحسابات، أن يعاود ترشيح نفسه، وهو الذي سيكون دشن العقد العاشر من عمره المديد، وهو يريد لهذا المرشح البديل، أن يكون من قماشته السياسية، حال تعذر أن يكون من صلبه ويحمل جيناته الوراثية.

الاستحقاق الانتخابي يقترب بسرعة، فيما "الرفاق حائرون"، يتساءلون عمّا يتعين عليهم فعله، من فريق داع للمقاطعة على قاعدة إنها انتخابات تجري في إطار "إعادة هندسة" النظام السياسي الفلسطيني ليتكيف مع مخرجات الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية، إلى فريق داع للمشاركة في إطار جبهة عريضة واسعة من قوى وشخصيات وفصائل وحراكات لاستحداث التغيير من داخل النظام...إلى ثالث، ما زال يراوح بين خياري المقاطعة والمشاركة، ويؤثر الصمت والانتظار.

لا شيء مؤكداً حتى الآن، سوى الاشتراطات الأمريكية – الإسرائيلية المتعلقة بالاستحقاق والمحيطة به، والتي تتلخص أساساً في "منع" قوى المقاومة وأنصارها من خوض غمار الاستحقاق من خلال تفخيخ قانون الانتخابات بشروط سياسية تسقط عن الانتخابات نزاهتها وشفافيتها وتكافؤ الفرص التي توفرها لخائضي غمارها ... سيف الاغتيالات والاعتقالات سيُشهر على رؤوس المرشحين من خارج قماشة السلطة، وربما تلكم واحدة "من بركات التنسيق الأمني" المضمرة، وسيجري فرض قيود على حرية الحركة والدعاية والحملات الانتخابية، وسيمنع سكان القدس من التصويت في مدينتهم المحتلة، كما ستتأثر مناطق أخرى بإجراءات انتقائية إسرائيلية، ولا نعرف حتى الآن، كيف سيجري نشر صناديق الاقتراع في قطاع غزة، ووفق أي ظروف وملابسات.

سيناريو التدخل في الانتخابات واللعب بنتائجها، هاجس يجتاح الفلسطينيين ، فصائل وشخصيات وحراكات ومبادرات، بمن فيهم "المتمردون" من داخل حركة فتح ذاتها، والذين شرع بعضهم في إعداد قوائمه الانتخابية، سيما مع استسهال إصدار المراسيم الرئاسية، التي يأتي أحدها معارضاً لما سبقه، دون شرح كافٍ أو تبيان لـ"الأسباب الموجبة"، فمن انتخاب مجلس وطني إلى انتخاب مجلس تشريعي، مروراً بتحديد أعداد المجلس وتوزيعاتهم الجغرافية بين داخل وخارج، دون تشاور مع أحد، ومن قبل حفنة قليلة ممسكة بتلابيب "المقاطعة"...وفي ظني أن الأطراف الدولية "الراعية تقليدياً" لنزاهة الانتخابات وشفافيتها، ستضرب صفحاً هذه المرة عن أي تجاوزات وانتهاكات، طالما أنها ممرٌ إجباري للحيلولة دون وصول شخصيات وقوى وفصائل غير مرغوبة، إلى مقاعد المجلس التشريعي، وستُقدم دول عربية عديدة، لا تعرف الانتخابات النزيهة أصلاً، دعمها لإجراءات السلطة وتثمن إجراءاتها الإصلاحية (؟!).

في الأنباء، أو بالأحرى التسريبات التي يجري تداولها، أن مرسوماً رئاسياً جديداً قد يصدر قريباً، يحمل هذه المرة جديداً احترازياً أكثر تحوطاً، إذ تقول المصادر بأن الرئاسة تنوي تخفيض عدد النواب المنتخبين من 200 عضواً يمثلون الضفة والقطاع والقدس، إلى 132 عضواَ، في عودة إلى القانون الأصلي، على أن يجري اختيار 68 عضواً تكميلياً بالتعيين، بضاف هؤلاء إلى 150 عضواً مُعيناً يمثلون الخارج والشتات، فيصبح عدد الأعضاء المعينين في المجلس الوطني القادم 218 عضواً، من أصل 350 عضواً، أزيد من 62 بالمئة، ولن تجد السلطة والرئاسة صعوبة في تبرير وتسويغ مرسومها الجديد حال صدوره من قبيل أن هناك فئات قد تظلم في تمثيلها ويتعين استحداث التوازن بالتعيين، وهناك ذريعة أخرى، يمكن استخدامها كمشجب: "إعلان المبادئ -أوسلو" الذي أعطى لإسرائيل الحق في التدخل لجهة عدد وهيكلة أعضاء "مجلس الحكم الذاتي الانتقالي"، الذي أعطاه الفلسطينيون اسم "المجلس التشريعي الفلسطيني".

إذن، هو الإفراط في الاحتراز والتحوّط، الذي يشّف عن استجابة لضغوط خارجية لإجراء "إصلاحات تجميلية" في بنية النظام السياسي الفلسطيني الشائخ، الذي تعتصره أعراض "موت سريري"، تماماً مثلما يفعل أشقاؤنا المسيحيون حين يُقدمون على تزيين موتاهم، وإلباسهم أفضل ما لديهم من ثياب، قبل إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم ومواراتهم الثرى.

ماذا عن "الرئاسية"؟

لا نعرف عنها حتى الآن، سوى أنها ستجري في الثلث الأول من العام القادم...لكن أمر تحديدها نهائياً، قد ينتظر نتائج انتخابات المجلس التشريعي، ودائماً من باب التحوّط والاحتراز، ولا أكاد أتخيل سيناريو أن يتقدم الرئيس عباس للترشح فيها من جديد، كما لا أكاد أتخيل أنها ستجري من دونه، وأنه سيسلم العهدة من بابها لمحرابها لمن سيأتي من بعده، حتى وإن كان من أقرب الناس إليه، ربما باستثناء نجله...وفوق هذا وذاك، لا أكاد أتصور تأجيل الانتخابات حتى إشعار آخر، والاكتفاء بتجديد شرعية نصف المؤسسات وإبقاء قديم نصفها الآخر، على قدمه.

هي الشق الأصعب من انتخابات "تجديد الشرعيات" كما توصف تجاوزاً، لكن لا بُدّ مما ليس منه بُدُّ...الانتخابات التشريعية معضلة لسلطة لا شعبية لها، وقد تأتيها المفاجآت من حيث لا تحتسب، ومن خارج قوائم منافسها ومجادليها التقليديين من فصائل وحركات سياسية ومقاومة، من داخل فتح والمتمردين عليها، ومن عائلات وعشائر وأصحاب رساميل، لكن حين يتعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية، فالمجازفة أصعب وأخطر، سيما في ظل نظام رئاسي -شبه مطلق – تكرّس منذ قيام السلطة قبل ثلث قرن.

استطلاعات الرأي العام، لا تعطي السلطة ورموزها أكثر من 10 بالمئة من إجمالي أصوات الفلسطينيين، وتضع القائد الأسير مروان البرغوثي في صدارة المرشحين الأوفر حظاً، لكن بمقدور مرشحين مستقلين، يحظون بدرجة أقل من الشعبية، إن يخوضوا غمار المنافسة، وأن يتوفروا على فرص عالية للنجاح، سيما إن تلقوا دعماً مباشراً أو غير مباشر، من فصائل وقوى فلسطينية ستحاذر تقديم مرشحين عنها من داخلها.

في هذا السياق، تُقرأ إجراءات العزل المشددة المضروبة حول الأسير مروان البرغوثي، وإطلاق رصاص مطاطي عليه في محسبه، في ظل معلومات عن نيته الترشح من داخل زنزانته لخوض غمار الاستحقاق الرئاسي، وفي هذا السياق، تُقرأ أيضاً، حملات الشيطنة التي تعرض لها القيادي الفلسطيني مصطفى البرغوثي، الذي سبق أن خاض غمار المنافسة الرئاسية، ولديه قدر من الدعم الشعبي، قد لا تحظى به معظم رموز السلطة، وقد تبرز في ساحة المنافسة، شخصيات وأسماء من خارج هذه الأطر، سيما حين يصبح الاستحقاق داهماً.

في مطلق الأحوال، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً، هو وصول قطار الرئاسة الفلسطينية إلى محطته الأخيرة في غضون الأشهر القليلة القادمة، ذلك أن بقاء الحال من المحال، ومن الأفضل للرئيس شخصياً، وللشعب الفلسطيني، إعادة العهدة إلى أصحابها، وترك النتيجة النهائية لصناديق الاقتراع، بدل انتظار "العناية الإلهية".

والخلاصة، أنها انتخابات لا تأتي في سياق استنهاض المنظومة السياسية والحركة الوطنية الفلسطينيتين، ولا تنهض كشاهد على تعافيهما، بل تعبيراً عن المأزق، وقد تكون سبباً في تعميقه، وقد يصح أن يُقال شيئاً مماثلاً عن الانتخابات الإسرائيلية مع فارق السياق والشروط...لكن التاريخ قد يكتب ذات يوم: أن عباس ونتنياهو قد غادرا المسرح السياسي في توقيت متقارب، بعد سنوات حكم مديدة، وقد خلّفا وراءهما تركات ثقيلة، فيما واقع الصراع مُقيم، بل ويزداد ضراوة و"صفرية".

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية