القس سامر عازر يكتب: هل تُمجِّد الكنيسة الضعف كما قال الفيلسوف نيتشه؟
القس سامر عازر
كثيرًا ما يُستشهد بمقولة الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بأن المسيحية تمجِّد الضعف، لأنها تدعو إلى التواضع، واحتمال الأذى، ومحبة الأعداء، والغفران. غير أن هذه القراءة، وإن بدت للوهلة الأولى منطقية في نظر من يقيس القوة بمنطق السيطرة والغلبة، فإنها لا تعكس حقيقة الإنجيل ولا رسالة الكنيسة. فالجواب بكل وضوح هو: كلا، الكنيسة لا تُمجِّد الضعف، وإنما تُمجِّد المحبة التي تبذل ذاتها، والقوة التي تفتدي الآخر، والإنسان الذي ينتصر على ذاته قبل أن ينتصر على غيره.
لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، لا ليحيا في الذل والخنوع، ولا ليكون تابعًا للظلم أو شريكًا في الصمت عنه، بل ليكون شاهدًا للحق، وحاملًا لكلمة الحياة، ورسولًا للحرية والعدالة والكرامة. فالإنسان الذي يفقد صوته عندما يجب أن يتكلم، أو يساوم على ضميره عندما يجب أن يشهد للحق، لا يخسر موقفًا عابرًا، بل يخسر شيئًا من إنسانيته التي ائتمنه الله عليها.
ولذلك قال السيد المسيح: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" فالربح الحقيقي ليس في امتلاك النفوذ، ولا في مراكمة القوة، ولا في الانتصار على الآخرين، بل في أن يبقى الإنسان أمينًا للحق مهما كانت الكلفة. فالكرامة ليست ترفًا، وإنما هي جزء من صورة الله في الإنسان، وإذا مات الضمير، وذبلت الأخلاق، وسكتت الكلمة الحرة، أصبح الإنسان حيًا بالجسد، لكنه ميت بالروح.
لقد أخطأ نيتشه حين ظن أن قوة المسيحية تكمن في الاستسلام، بينما تكمن عظمتها في قوة المحبة. فالمسيح لم يكن ضعيفًا عندما غفر، ولم يكن عاجزًا عندما أحب أعداءه، بل كان يعلن أن القوة الحقيقية هي القدرة على الانتصار على روح الانتقام، وأن السيادة الحقيقية هي سيادة الإنسان على نفسه.
وكما يقول القديس أوغسطينوس: "ليست القوة في أن تغلب غيرك، بل في أن تغلب نفسك." وهذه هي القوة التي يكرز بها الإنجيل، لأنها تبني الإنسان ولا تهدمه.
إن الضعف الحقيقي ليس في عدم رد الصاع صاعين، وليس في رفض العنف أو الانتقام، وإنما في هزيمة النفس من الداخل، عندما تموت فيها روح الشهادة للحق، ويصمت الضمير، ويصبح الخوف أقوى من الحق. فالسكوت عن الظلم حين يجب الكلام ضعف، والحياد أمام الباطل حين يجب اتخاذ الموقف ضعف، والتخلي عن المبادئ طمعًا أو خوفًا ضعف، أما كلمة الحق فهي، كما يقول الكتاب المقدس، "حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين؛ قد تجرح أولًا، لكنها تداوي في النهاية، لأنها تكشف الحقيقة وتفتح طريق الشفاء.
ومن هنا، فإن مسؤولية إصلاح عالمنا ليست مسؤولية أفراد معدودين، بل هي واجب مقدس يقع على عاتق كل إنسان. فالله لن يسألنا فقط عما فعلناه، بل سيسألنا أيضًا عما كان ينبغي أن نفعله ولم نفعله. ولهذا يقول الرسول يعقوب: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ." ولذلك يبقى السؤال يلاحق ضمائرنا: لماذا نصمت عندما يجب أن نتكلم؟ ولماذا نتراجع عندما يجب أن نقف؟ ولماذا نخشى قول الحقيقة عندما تكون الحقيقة هي الطريق الوحيد إلى العدالة؟
لقد غيَّر السيد المسيح العالم، لا بقوة السيف، ولا بالنفوذ، ولا بالغطرسة، بل بقوة المحبة، والتواضع، والخدمة، والتضحية. وهكذا أيضًا الكنيسة، عندما تكون أمينة لرسالتها، لا تمجِّد الضعف، بل تمجِّد الإنسان الذي يبذل نفسه من أجل أخيه، ويجعل من حياته جسرًا يعبر عليه الآخرون نحو الرجاء والكرامة.
ويقول المهاتما غاندي: "الضعيف لا يستطيع أن يسامح؛ فالمسامحة من صفات الأقوياء." وهذه الحكمة الإنسانية تلتقي مع جوهر الإنجيل الذي يرى في الغفران قوة، وفي المحبة شجاعة، وفي التضحية انتصارًا.
إن عالمنا اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأقوياء الذين يفرضون إرادتهم على الآخرين، بل إلى رجال ونساء أقوياء في ضمائرهم، ثابتين في مبادئهم، صادقين في شهادتهم، لا يبيعون الحق من أجل منفعة، ولا يسكتون عن الظلم من أجل سلامة شخصية. فهؤلاء هم الذين يصنعون التاريخ، ويتركون بصمة لا تمحوها الأيام، وينالون في النهاية رضى الله، لأنهم لم يمجِّدوا الضعف، بل مجَّدوا قوة المحبة، وقوة الحق، وقوة الإنسان الذي خُلق على صورة الله، ليكون نورًا في العالم، وملحًا للأرض، وشاهدًا أمينًا للحق حتى النهاية.







