أبو زينة يكتب: رؤية أميركية لحرب الإقليم..!
علاء الدين أبو زينة
أجرى موقع “أوريان 21” الفرنسي مقابلة، نُشرت في 30 حزيران (يونيو)، مع السياسي الأميركي البارز روبرت مالي. ومالي هو المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارتَي بيل كلينتون وباراك أوباما، والمبعوث الخاص لإيران في عهد جو بايدن، والرئيس الفخري لبرنامج الشرق الأوسط في “مجموعة الأزمات الدولية”. وهو، فوق ذلك، معلق ومحلل واسع الرؤية وكثيف الحضور في المنشورات ووسائل الإعلام الرصينة. وقد تحدث في المقابلة المذكورة عن جملة من القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط، منها حصيلة حرب أميركا والكيان على إيران، وانعكاساتها على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ومستقبل التوازنات الإقليمية، وموقع القضية الفلسطينية في التحولات الدولية الراهنة.
يرى مالي أن الحرب على إيران لم تحقق انتصارًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة أو للكيان بقدر ما كشفت حدود القوة العسكرية الغربية، وسرّعت تحولات كانت تتبلور منذ سنوات في بنية النظامين الإقليمي والدولي. وهو ينطلق من تعريف للنصر يتجاوز الإنجاز العسكري المباشر، ويقيسه بقدرة الدولة على فرض إرادتها السياسية بعد انتهاء القتال. ووفق هذا التعريف، يرى أن إيران خرجت، رغم خسائرها العسكرية والاقتصادية الكبيرة، أكثر ثقة بقدرتها على الصمود، في حين وجدت واشنطن نفسها معنية بإنهاء الحرب والبحث عن هدنة. ويرى أن الولايات المتحدة أصبحت “أكثر حاجة إلى السلام من طهران”. ويستعيد في هذا الإطار دروس فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث عجز التفوق العسكري الأميركي عن التحول إلى مكاسب سياسية دائمة.
يضع مالي الحرب الحالية ضمن مسار تاريخي أوسع من تراجع الهيمنة الأميركية. وتشكل هذه الحرب، في نظره، حلقة في عملية بدأت مع غزو العراق في العام 2003، وتسارعت خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، ثم تعمقت مع حرب غزة وإدارة ترامب الثانية. وتبرز في المسار العلاقة الوثيقة بين القوة والشرعية. وفي هذه العلاقة، يعتمد استمرار النفوذ الدولي على القدرة على إقناع الآخرين بشرعية القيادة، وهي قدرة تعرضت في الحالة الأميركية لتآكل متزايد خلال العقدين الأخيرين.
وفق هذه الرؤية، تقع القضية الفلسطينية في قلب أزمة الشرعية الغربية. وقد تحولت غزة، في تقدير مالي، إلى اختبار أخلاقي للنظام الدولي، بينما ألحقت ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع أوكرانيا وفلسطين ضررًا بالغًا بصورة الولايات المتحدة- وخاصة في دول الجنوب العالمي. وقد أصبحت القضية الفلسطينية معيارًا عالميًا للحكم على صدقية الخطاب الغربي بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي بعد أن تجاوزت حدودها الجغرافية والسياسية التقليدية.
يقدم مالي أيضًا قراءة متوازنة للتحولات الجارية داخل الولايات المتحدة بشأن العلاقة مع الكيان. ويرصد في هذا الشأن تراجعًا تدريجيًا في نفوذ اللوبي المؤيد للكيان في قطاعات من الحزب الديمقراطي، وتحول دعمه، في بعض الدوائر، من مصدر قوة انتخابية إلى عبء سياسي. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن هذا التحول المجتمعي لم ينعكس بعد على المؤسسات السياسية التي ما تزال محكومة باعتبارات التمويل وشبكات الضغط وموازين القوى الحزبية. ويُظهر هذا التمييز الفارق بين سرعة تغير الرأي العام وبطء استجابة البنية المؤسسية.
يتوقف مالي أيضًا عند شخصية دونالد ترامب، بما تنطوي عليه من تناقضات. فبينما أبدى الرئيس استعدادًا كبيرًا لتقديم دعم عسكري مباشر للكيان، بما في ذلك مشاركته في الحرب، احتفظ باستعداد مماثل لممارسة ضغوط عليه عندما يرى أن استمرار الصراع يتعارض مع المصالح الأميركية أو مع شعار “أميركا أولًا”. ويعني هذا التناقض أن متانة التحالف “الأميركي-الإسرائيلي” لا تلغي خضوعه لحسابات السياسة الداخلية الأميركية. ولذلك، يطرح مالي احتمال أن يتحول تيار (ماغا) مستقبلًا إلى عامل ضغط على الكيان- وإنما بدافع رفض التورط في حروب خارجية مكلفة أكثر من ارتباطه بأي تحول في الموقف من القضية الفلسطينية.
على المستوى الإقليمي، يشير مالي إلى صعود دور القوى الإقليمية لتكون أطرافًا فاعلة في إدارة الأزمات بعد أن كانت تُعامل غالبًا كساحات تتنافس فيها وعليها القوى الكبرى. وقد مارست دول الخليج وتركيا وقطر وسلطنة عمان ضغوطًا على كل من واشنطن وطهران لإنهاء الحرب انطلاقًا من مصالحها الأمنية والاقتصادية المباشرة. ومع ذلك، يلفت مالي إلى المأزق الذي تواجهه دول الخليج. من ناحية، اكتشفت هذه الدول محدودية المظلة الأمنية الأميركية. ومن ناحية أخرى، أدركت أن تحسين العلاقات مع إيران لا يوفر لها حماية كاملة من تداعيات الصراعات. وهكذا وجدت هذه الدول نفسها مضطرة إلى مواصلة الجمع بين هذين الرهانين معًا، رغم إدراكها لمحدوديات كل منهما.
في استشرافه للمستقبل، يتحدث مالي عن “الأثر المؤجل” للحروب. ويستحضر تجربة العراق ليؤكد أن النتائج السياسية والاجتماعية للنزاعات الكبرى تتبلور على مدى سنوات، وقد تتجسد في ظهور حركات مقاومة جديدة أو موجات عنف، أو تحولات سياسية عميقة. ويحذر من أن الغضب المتراكم في المجتمعات العربية نتيجة الدمار في غزة ولبنان والانتهاكات المستمرة للقانون الدولي سيبحث، عاجلًا أم آجلًا، عن أشكال جديدة من التعبير السياسي والأمني. ويقود هذا الفهم إلى التعامل مع الحروب بوصفها عمليات تاريخية تمتد آثارها إلى ما بعد وقف إطلاق النار بسنوات طويلة.
ربما يُؤخذ على تحليل مالي أنه منح التراجع الأميركي موقعًا مركزيًا في تفسير معظم التحولات، بينما منحًا اهتمامًا أقل للعوامل الداخلية في إيران والكيان والعالم العربي. كما يمكن أن يكون افتراضه بشأن اقتراب نظام دولي أكثر توازنًا مع انحسار النفوذ الأميركي يبقى موضع نقاش. وتشير خبرات التاريخ إلى أن أفول القوى المهيمنة كثيرًا ما يرافقه انتقال مضطرب تتزايد خلاله المنافسات والصراعات بدل أن يقود تلقائيًا إلى قدر أكبر من الاستقرار.
مع ذلك، تقدم قراءة مالي منظورًا أوسع إطارًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة ليضع الحرب على إيران في السياق الواسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم. ومن هذا المنظور، يلاحظ مالي أن المنطقة تدخل الآن مرحلة تتراجع فيها قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بصياغة قواعد اللعبة، وتتقدم خلالها أدوار القوى الإقليمية، وتتعمق فيها أزمة الشرعية الغربية، بينما يتعمق حضور القضية الفلسطينية لتكون معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا في النقاش الدولي. ولعل أهم ما في مقاربة مالي هو تحويلها السؤال الأساسي من التركيز الضيق على الطرف الذي ينتصر في الحرب إلى استشراف النظامين الإقليمي والدولي اللذين تشرع ملامحهما في التشكل في أعقابها. وهو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا، نحن العرب، بشكل خاص.







