خيرالله يكتب:اختزال المشهد اللبناني…
على لبنان أن يتعلم من أخطائه ومن مشهد الدمار بزوطر. لعلّ أهمّ ما يجب أن يتعلّمه أن السلاح غير الشرعي لا يعيد أهل الجنوب النازحين إلى أرضهم.
يوجد حاليا ما يختزل الوضع اللبناني. تختزله بلدة زوطر الجنوبية المقسمة التي عاد قسم من أهلها إليها على الرغم من الدمار، فيما لا يزال قسم آخر تحت الاحتلال الإسرائيلي. ليس ما يشير إلى أن هذا الاحتلال سينتهي قريبا في غياب ثمن سيتوجب على لبنان دفعه بعدما قررت إيران، عن طريق “حزب الله”، فتح جهة الجنوب في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى”. أي يوم الثامن من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 تحت شعار “إسناد غزّة”.
كان ذلك يوما مشؤوما على لبنان. عاد هذا اليوم بالاحتلال الإسرائيلي الذي رحل في أيار – مايو من العام 2000. سيظل السؤال المطروح مرتبطا بالثمن الذي على لبنان دفعه من أجل زوال الاحتلال وهل يمتلك ما يكفي من الجرأة لمواجهة الحقيقة والواقع بدل الهرب منهما تحت حجج واهية بغية التحايل على الانتهاء من سلاح “حزب الله”. لا مجال سوى لموقف في غاية الوضوح من هذا السلاح الذي أعلن رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام أنّ لا فائدة منه. أكثر من ذلك يوجد شبه إجماع لبناني على أن السلاح يعني بقاء الاحتلال لا أكثر.
ليست زوطر، حيث يلتقي شمال الليطاني بجنوبه، مجرد منطقة دمرها مشروع “حزب الله” أو خط تماس جديد بين لبنان وإسرائيل. إنّها المكان الذي يُختبر فيه الخطاب الذي بنى عليه الحزب موقفه طوال الأشهر الماضية. فهو تعامل مع الانسحاب من جنوب الليطاني بصفة كونه الحد الأقصى لأي نقاش، ورسم النهر كحد فاصل بين ما يمكن للدولة أن تقترب منه وما يبقى خاضعاً لسلاحه.
إدراج زوطر الغربية ضمن المناطق التجريبية غيّر هذا المعنى. المسألة تتجاوز الترتيبات التقنية في الاتفاق الإطار. انتشار الجيش اللبناني هناك يضرب الفكرة التي حاول الحزب تثبيتها: أن إعادة تنظيم وجوده العسكري تتوقف عند الضفة الجنوبية للنهر. للمرة الأولى، يُختبر هذا المنطق شمال الليطاني، في منطقة كان الحزب يعتقد أنها خارج أي تفاوض فعلي.
أما زوطر الشرقية، فتبقى تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. موقعها يمنحها أهمية لوجيستية استثنائية. فهي تُعد شرياناً وصلة وصل بين عمق النبطية والمنطقة الأمامية الحدودية، وممراً رئيسياً لعناصر الحزب ومنشآت مركزية وثقل لوجستي. السيطرة عليها تقطع خطوط إمداد مهمة، وتمتد باتجاه مناطق مثل أرنون ويحمر الشقيف قرب نقاط عمليات خلفية. لهذا لم تتعامل إسرائيل معها كبلدة حدودية عادية، بل كجزء من البنية العسكرية التي تريد تفكيكها أو إبقاءها تحت الضغط.
زوطر اليوم تختصر المشهد كله. حزب الله يحاول حماية ما بقي من صورة سلاحه، والدولة تحاول توسيع حضورها من دون امتلاك القرار كاملاً، وإسرائيل تفرض الوقائع بالنار والمراقبة.
لم يعد السؤال في زوطر في شأن ضفة النهر، بل بات يتدحرج سريعاً نحو السؤال المفصلي في شأن من يسيطر على الأرض، ومن يملك قرار الدفاع عنها، ومن يستخدمها لحماية صورته وسرديته.
في الواقع، تختزل عودة سكان زوطر إلى بلدتهم وحال الدمار التي تعرضت لها البلدة مأساة جنوب لبنان، وهي مأساة تسبب بها “حزب الله” ومن خلفه إيران، قبل أن تتسبب بها إسرائيل. لم يكن لبنان مضطرا إلى دخول “حرب إسناد غزّة” وإلى فتح جبهة الجنوب، مثلما لم يكن مضطرا يوما إلى دخول حرب الانتقام لـ”المرشد” الإيراني علي خامنئي.
لا تعود مأساة جنوب لبنان إلى البارحة مقدار ما تعود إلى فكر لا علاقة له بالمنطق أخذ البلاد إلى اتفاق القاهرة في تشرين الثاني – نوفمبر 1969، وهو اتفاق كان خطوة أولى في اتجاه المأساة. متى يتصالح لبنان مع المنطق مع ما يعنيه ذلك من تصالح مع الذات أوّلا حفاظا على الجنوب وأهل الجنوب.
من أعاد زوطر الغربيّة إلى أهلها كان الاتفاق الإطار الذي وقع في واشنطن والذي يمكن اعتباره حجر الزاوية لأي اتفاق يمكن الوصول إليه مستقبلا من أجل تأمين الانسحاب الإسرائيلي في مقابل ثمن على لبنان دفعه من دون خجل.
باختصار شديد، على لبنان أن يتعلم من أخطائه ومن مشهد الدمار بزوطر. لعلّ أهمّ ما يجب أن يتعلّمه أن السلاح غير الشرعي لا يعيد أهل الجنوب النازحين إلى أرضهم. ما يعيد النازحين يبدأ بالاعتراف بالهزيمة التي جرت إيران الدولة اللبنانية إليها عن سابق تصوّر وتصميم. كلّ ما تريده “الجمهوريّة الإسلاميّة” هو تأكيد أن لبنان ما زال تحت سيطرتها في حين أن مشهد زوطر وبقاء قسم منها تحت الاحتلال فرصة كي تكون هناك مراجعة حقيقية في العمق لفكر لا علاقة له بالمنطق من قريب أو بعيد.
من زوطر، التي زرع فيها نواف سلام العلم اللبناني، يمكن أن تبدأ رحلة عودة لبنان إلى لغة المنطق، أي إلى الاقتناع بوجوب الانتهاء من لغة المزايدات والشعارات الفارغة والسلاح غير الشرعي الذي كان فلسطينيا وصار بعد ذلك سلاحا إيرانيا لا أكثر.
مؤلم إلى حدّ كبير مشهد الدمار في زوطر، وهو مشهد يفرض الاعتراف بأن الخيار الوحيد أمام لبنان هو خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل من أجل تأمين الانسحاب الإسرائيلي في يوم من الأيام بدل التمسّك مجددا بما يشبه اتفاق القاهرة والويلات التي جلبها على البلد.
ما يفترض تذكّره في نهاية المطاف أن إسرائيل انسحبت من الجنوب في العام 2000. بدل استفادة لبنان من هذا الانسحاب، أمعنت إيران في تعميق المأساة اللبنانية ومأساة الجنوب تحديدا. بدل أن يكون الجنوب جنة على الأرض، إذا به يعبّر عن فكر لا علاقة له بالمنطق. يقوم هذا الفكر على شعار أن الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على إسرائيل. إنّه الفكر المفترض بلبنان التخلّص منع في حال كان يبحث عن حياة جديدة.






