اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: كل رجال الملك.. مرّة أخرى

{title}
أخبار الأردن -

مالك العثامنة

في الأغنية الإنجليزية القديمة التي جاءت منها العبارة، تسقط البيضة "همبتي دمبتي" عن السور، ثم يعجز كل خيل الملك وكل رجال الملك عن إعادتها كما كانت، وحين كتبت هذا العنوان قبل ثمانية أعوام كنت أرى في الحكاية استعارة للحالة الأردنية، دولة تتزاحم حولها جماعات كثيرة، كل منها يقدم نفسه بوصفه الأقرب إلى الملك، والأصدق ولاء له، والأقدر على تفسير إرادته، فيما كانت الدولة نفسها، بمؤسساتها وصلاحياتها ومسؤولياتها، تفقد أجزاء منها كلما اتسعت دائرة الرجال وضاقت مساحة القانون.

بعد ثمانية أعوام، تغيرت وجوه كثيرة، وسقطت أسماء كانت تملأ المشهد، وظهرت أسماء جديدة، لكن السؤال لم يسقط معها، بل صار أكثر إلحاحا، من هم رجال الملك اليوم، وهل يحتاج الأردن أصلا إلى هذا التصنيف، أم أنه يحتاج إلى رجال الدولة ونسائها، الذين يخدمون ملكا ودولة وشعبا من داخل الدستور، لا من شرفات القرب ولا من ممرات المكاتب.

في النسخة القديمة من المشهد، كان الجميع تقريبا من رجال الملك، رئيس الوزراء الذي يستمد قوته من التكليف لا من ولايته، والوزير الذي يسبق كل قرار بعبارة التوجيهات الملكية، والنائب الذي يبحث عن إشارة خضراء أكثر مما يبحث عن ناخبيه، والمسؤول الأمني الذي يعتقد أن وظيفته فهم ما يريده الملك حتى لو لم يقله، ورجل الأعمال الذي يحول القرب إلى نفوذ، وشيخ العشيرة الذي يتجاوز الحكومة ليحمل مطالبه إلى باب القصر، والإسلامي الذي يعارض الدولة من داخل سقفها ثم يعود إليها حين تفتح له باب المشاركة، والليبرالي الذي يقدم وصفته الاقتصادية بوصفها الرؤية التي لا يجوز الاعتراض عليها، كل هؤلاء كانوا يتخاصمون في كل شيء، لكنهم يتفقون على استخدام الملك مرجعا أعلى يمنحهم الشرعية ويعفيهم من المسؤولية.

اليوم، تبدو الدولة ظاهريا أبعد عن تلك الصورة، هناك مسار للتحديث السياسي، وانتخابات نيابية أدخلت الأحزاب والكتل الحزبية إلى مجلس النواب بوزن لم يكن موجودا من قبل، وبرامج تنفيذية للتحديث الاقتصادي والإداري دخلت مرحلة جديدة، وحكومة تتحدث بلغة الإنجاز والقياس والمشاريع الكبرى، لكن المشكلة القديمة لا تزال قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل القوالب الجديدة، فقد نملك أحزابا بلا سياسة، وبرلمانا حزبيا بلا حكومات حزبية، وخططا تنفيذية بلا ولاية تنفيذية كاملة، ومؤشرات أداء دقيقة لا يعرف المواطن من يحاسب إذا لم تتحقق.

الدستور الأردني لا يقدم لغزا في هذا الشأن، الأمة مصدر السلطات، والملك رأس الدولة وهو مصون من كل تبعة ومسؤولية، ومجلس الوزراء يتولى مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة، ويكون مسؤولا أمام مجلس النواب، وهذه ليست نصوصا متنافرة، بل معادلة متكاملة، الملك يكلف ويحمي التوازن العام، والحكومة تحكم وتتحمل المسؤولية، والبرلمان يشرع ويراقب، والقضاء يفصل، أما حين يأخذ كل طرف من الدستور ما يوسع نفوذه ويترك ما يحدد مسؤوليته، تتحول المعادلة إلى فراغ، والفراغ في السياسة لا يبقى فارغا، بل تملؤه المكاتب والأجهزة والمقربون وأصحاب الحظوة ومن يملكون القدرة على الادعاء أنهم يفهمون ما يريده الملك أكثر من المؤسسات نفسها.

الرؤية الملكية ضرورة في دولة تقودها ملكية دستورية وتحتاج إلى اتجاه استراتيجي ثابت يتجاوز أعمار الحكومات القصيرة، لكنها يجب أن تكون بوصلة لا جهاز تحكم عن بعد، وأن تتحول عبر الحكومة إلى برنامج سياسي واقتصادي واضح، له أولويات وموازنات ومسؤولون ومواعيد ومحاسبة، أما أن تبقى الرؤية نصا واسعا يفسره كل مسؤول على هواه، وينسب إليه ما يريد، فذلك لا يخدم الملك ولا الحكومة، بل يصنع طبقة من المترجمين السياسيين الذين يبيعون قربهم من النص ومن صاحبه.

حكومة جعفر حسان تشكل اليوم اختبارا واضحا لهذه الفكرة، فرئيسها يعرف الدولة من داخلها، ويعرف لغة القصر والإدارة والاقتصاد، وجاء إلى الرئاسة بعقل تنفيذي يرى الدولة مشروعا يجب قياسه لا خطبة يجب التصفيق لها، وهذه ميزة حقيقية، لكنها تحمل في داخلها اختبارها الأصعب، فالمطلوب منه ليس فقط أن يثبت أن الأرقام صحيحة، بل أن يثبت أن الحكومة موجودة، وأنها صاحبة قرار وولاية ورواية، وأنها ليست مكتبا تنفيذيا يتلقى الإشارات من فوق، ولا جدارا تمتص فيه مؤسسات أخرى غضب الناس ثم تتركه وحيدا حين ترتفع الكلفة.

الناس لا تعيش داخل الجداول المالية، ولا تقتات على النسب المئوية، وهي لا تعادي الإنجاز حين تسأل عنه، بل تريد أن تعرف من قرر، ومن سينفذ، ومن سيراقب، ومن سيدفع الكلفة، ومن سيحاسب إذا تعطلت الخطة أو شابتها شبهة أو تأخر أثرها، ولذلك فإن المشاريع الكبرى تحتاج إلى حوكمة كبرى، لا يكفي أن تكون الأرقام دقيقة إذا بقيت العدالة غامضة، ولا يكفي أن تنجز الحكومة إذا عجزت عن شرح ما أنجزت، ولا يكفي أن يكون القرار صحيحا على الورق إذا شعر الناس أنه اتخذ فوق رؤوسهم لا معهم.

ما يجري حول حكومة حسان ليس مؤامرة مثبتة، لكنه بيئة استهداف مفتوحة، بعضها تصنعه مصالح متضررة، وبعضها يصنعه طامحون إلى المواقع، وبعضها تصنعه الحكومة نفسها حين تتأخر في الإجابة أو تترك فراغا تتكاثر داخله الشائعات، وهنا لا يكفي تعديل وزاري يعيد توزيع الأسماء، فالتعديل الوزاري لا يكفي إذا بدا كاستجابة للحرائق لا كجزء من هندسة مرحلة، والأهم من تبديل الوزراء هو تثبيت المعنى الدستوري للحكومة، رئيس يقرر، ووزراء يملكون ملفاتهم، وفريق يتكامل، ومؤسسات تعرف حدودها، واتصال سياسي لا يتحدث إلى الأردنيين من علو شاهق، ولا يظن أن البيان الرسمي يعفيه من الحوار.

الملكية في الأردن لا تحتاج إلى احتكار الدولة ولم تحتجها يوما منذ التأسيس، بل تحتاج إلى دولة تحميها من الاستهلاك اليومي ومن تحميلها مسؤولية كل حفرة في شارع وكل قرار في وزارة وكل تعيين في مؤسسة.

أما مجلس النواب، فقد دخل بعد انتخابات عام 2024 مرحلة مختلفة من حيث الشكل، مع حضور حزبي وكتل تحمل أسماء وبرامج، لكن الامتحان الحقيقي ليس في عدد الأحزاب تحت القبة، بل في قدرتها على إنتاج سياسة، فالحزب الذي يعرف نفسه بأنه حزب الدولة أو حزب الملك محكوم بالفشل قبل أن يبدأ، لأن الدولة ليست حزبا، والملك ليس طرفا في المنافسة، والحزب الذي ينتظر رضا المكاتب ليعارض أو يوافق ليس حزبا، بل جماعة مصالح ترتدي قميصا سياسيا، ولا معنى للتحديث السياسي إذا بقيت الأحزاب تتنافس على إثبات الولاء بدلا من التنافس على البرامج والقدرة على تشكيل الحكومات.


الولاء للملكية الدستورية لا يعني إلغاء المعارضة، بل يضمنها، والمعارضة السياسية ليست خصومة مع الملك، كما أن الموالاة ليست رخصة للرداءة، ومن حق حزب أن يقول إن الحكومة أخطأت، وإن مشروع قانونها ظالم، وإن أرقامها لا تقنعه، من دون أن يطالب بإسقاط الدولة، ومن واجب حزب آخر أن يدافع عن الحكومة بحجج وبرنامج لا بصور وشعارات، وعندما يصبح البرلمان بيتا حقيقيا للأمة، لا يعود النائب محتاجا إلى أن يكون من رجال السلطة، لأنه يصبح ممثلا للمواطنين وشريكا دستوريا في الدولة.

والأمر نفسه ينطبق على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وهي مؤسسات حافظت في الوجدان الأردني على قدر كبير من الاحترام لأنها ارتبطت بالانضباط وحماية الدولة، وأفضل ما يحمي هذه المكانة أن تبقى خارج السوق السياسي، فالعسكري يحمي الحدود والنظام الدستوري ولا يصنع النواب، والأمني يحمي المجتمع ولا يوزع شهادات الوطنية، وحين تدخل الأجهزة في تشكيل الطبقة السياسية تخسر السياسة حريتها وتخسر الأجهزة حيادها، ويصبح كل فشل سياسي محسوبا عليها، رغم أن قوتها الحقيقية تأتي من مهنيتها ومن ابتعادها عن المنافسة على النفوذ المدني.

العشيرة أيضا ليست نقيضا للدولة، فهي مكون اجتماعي أصيل وشبكة تضامن لا يمكن محوها ولا حاجة إلى ذلك، لكن الخطر يبدأ حين تتحول من رابطة اجتماعية إلى قناة سياسية موازية، وحين يصبح شيخ العشيرة أقرب إلى القرار من المجلس البلدي والنائب والوزير، وحين تقاس حقوق المواطنين بحجم الجماعة التي تقف خلفهم، فالمواطنة لا تلغي العشيرة، لكنها تمنعها من أن تكون بديلا عن القانون، والدولة التي تحترم عشائرها لا تستخدمها حائط صد أمام الإصلاح ولا صندوق أصوات عند الانتخابات.

ورجال الأعمال ليسوا خطرا على الدولة، بل لا اقتصاد حديث وفاعل من دونهم، والخبراء والتكنوقراط ليسوا غرباء عن المجتمع، فلا إدارة حديثة من دون معرفتهم، لكن الخطر أن تتحول الخبرة إلى طبقة مغلقة، وأن تصبح العلاقة مع الدولة امتياز قرب، وأن تختلط الشراكة بين القطاعين العام والخاص بتضارب المصالح، وأن يعتقد صاحب القرار أن نجاح العرض المالي يكفي ولو فشل في اختبار العدالة والثقة، فالأردن يحتاج إلى من يعرف الحسابات، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى من يعرف حسابات المزاج العام، ومن يفهم أن المجتمع ليس جدولا في دراسة جدوى، وأن القرار الاقتصادي بلا سياسة داخلية تحميه قد ينفجر في وجه أصحابه قبل أن يصل إلى التنفيذ.

أما الإعلام، فقد كان دائما من أكثر ساحات رجال الملك ازدحاما، صحفيون يتقربون، وكتاب يبالغون في المديح، ومسؤولون يظنون أن السيطرة على الرواية تعني السيطرة على الناس، لكن زمن المنابر المغلقة هذا قد انتهى، والرواية الرسمية التي تخشى الحقيقة تترك السوق للشائعة، والدولة لا تحتاج إلى إعلام يصفق لها، بل إلى إعلام يصدقها حين تقول الحقيقة وينتقدها حين تخطئ، فالصحفي ليس رجل الملك ولا خصمه، بل رجل الحقيقة، وإذا كانت الحقيقة تحرج وزيرا أو مكتبا أو جهازا، فإن إخفاءها يحرج الدولة كلها لاحقا.

كل رجال الملك الحقيقيين، بالمعنى الذي أستطيع الدفاع عنه اليوم، هم الذين يمنعون استخدام اسم الملك لتجاوز الدستور، رئيس الوزراء الذي يقول نعم حين يقتنع ويقول لا حين تقتضي ولايته، والوزير الذي يوقع قراره باسمه ويتحمل نتيجته، والنائب الذي يراقب الحكومة ولا ينتظر مكافأتها، والقاضي الذي لا يعرف أمامه كبيرا وصغيرا، والعسكري الذي يبقى محترفا، والموظف الذي يخدم المواطن من دون واسطة، ورجل الأعمال الذي ينافس بلا باب خلفي، والحزبي الذي يريد الوصول إلى الحكومة ببرنامج لا بإشارة.

لقد حظيت شخصيا بلقاء الملك، وفي كل لقاء كنت أسمع منه ما يعزز كل تلك القناعات التي تجاوزت الجلسات المغلقة في مكتبه، إلى فضاء مفتوح كتب فيه الملك بنفسه ما يفكر فيه بأوراق نقاشية لا تزال منشورة ومتاحة، وفي اللقاءات سمعت من الملك كما سمع غيري ممن حظوا بتلك الجلسات انتقاداته الحادة للتحجر "والديناصورية" التي تعطل الإصلاح المطلوب والضروري.

الملك "فعليا" لا يحتاج إلى رجال يخبرونه أن كل شيء بخير، ولا إلى ملكيين أكثر منه يطاردون الأسئلة باسم حمايته، بل يحتاج إلى دولة تعمل في حضوره وغيابه، وإلى مؤسسات لا تتوقف على الهاتف القادم من مكتب، وإلى حكومة تستطيع أن تقول للناس هذا قرارنا وهذه مسؤوليته، وإلى برلمان يستطيع أن يرفض، وإلى قضاء يستطيع أن يحكم، وإلى مجتمع لا يرى في النقد خيانة ولا في التصفيق وطنية.

حين تصبح الحكومة حكومة المملكة الأردنية الهاشمية بعد أن يكلفها الملك، ويصبح البرلمان بيت الأمة لا غرفة انتظار للمنافع، ويصبح الدستور أبا للقوانين وناظما للعلاقات حتى مع الملك نفسه، لن يعود تعبير كل رجال الملك وصفا ساخرا لدولة تتوزعها مراكز النفوذ، بل سيأخذ معناه الوحيد الجدير بالاحترام، كل من يحمي الدولة من الشخصنة، ويحمي الملك من أن يتحول إلى بديل عنها، ويحمي المواطن من أن يضطر إلى البحث عن رجل للملك كي يحصل على حق يكفله القانون، هو من رجال الملك.

أما إذا بقي كل مسؤول يرفع اسم الملك فوق قراره ويحجب اسمه عن الخطأ، وبقيت المكاتب أقوى من المؤسسات، وبقي الولاء طريقا إلى الموقع لا نتيجة لخدمة الدولة، فسنظل أمام سور أعلى وبيضة أكثر هشاشة، وحين تسقط لن تنفعها كثرة الرجال ولا صهيل الخيول، وعندها فقط نفهم أن الطريق إلى حماية الملك لا يمر عبر زيادة رجال الملك، بل عبر بناء رجال الدولة ونسائها، وعندها، يستقيم المعنى الحقيقي لرجال الملك فيتماهى مع مفهوم رجال الدولة، وهو ما يريده الملك نفسه وهو رأس الدولة.

 





 




 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية