اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: هل فقدت المؤسسة الاستهلاكية المدنية مبرر وجودها؟

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


لم يكن إقرار مجلس النواب إلغاء قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية، مُجرد تعديل تشريعي عادي، بل يُمثل تحولًا في فلسفة الدولة تجاه إحدى المؤسسات التي أُنشئت أصلًا لتؤدي دورًا اجتماعيًا لا تجاريًا.
 

القرار لا يعني فقط دمج مؤسستين، وإنما يعني شطب اسم «المؤسسة الاستهلاكية المدنية» من الوجود، وإحلال المؤسسة الاستهلاكية العسكرية مكانها، وإن كان ذلك يبقى مرهونًا بمروره بمراحله الدستورية، والتي تتطلب موافقة الغرفة التشريعية الثانية (مجلس الأعيان)، ثم اقترانه بالإرادة الملكية السامية، حتى يكون قابلًا للتنفيذ.
وترى الحُكومة أن «الدمج» أو توحيد المؤسستين سيؤدي إلى رفع الكفاءة التشغيلية، وتقليل الازدواجية في الإنفاق، غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى مرهونًا بالحفاظ على الدور الاجتماعي الذي أُنشئت من أجله المؤسسة المدنية.
ومعلوم أن «الاستهلاكية العسكرية» وجدت أساسًا لتلبية احتياجات أفراد القوات المُسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، من خلال توفير السلع الأساسية بأسعار مُناسبة، وبالمثل أُنشئت «المدنية» لخدمة موظفي القطاع العام، بهدف تخفيف الأعباء المعيشية عنهم، وتأمين احتياجاتهم الأساسية بأسعار مقبولة، بل وأقل من أسعار السوق في كثير من الأحيان.
ذلك يعني، أن فلسفة إنشاء المؤسستين لم تكن قائمة على المُنافسة التجارية أو تحقيق الأرباح، وإنما على تقديم خدمة اجتماعية لفئات مُحددة تعتمد في معيشتها على رواتب مُتوسطة أو محدودة.. لذا، من الطبيعي أن تحظى هذه المؤسسات بالدعم الحكومي، حتى تتمكن من أداء دورها في توفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة أو أقل من أسعار القطاع الخاص، خصوصًا إذا ما علمنا بأن مُنتفعيها يتقاضون رواتب شهرية مُتوسطة، وهي في الغالب أقل من رواتب العاملين في القطاع الخاص.
ُوهنا، يتوجب الجواب عن السؤال التالي: هل ستتحول «الاستهلاكية العسكرية» إلى مُنافس مُباشر للأسواق الكُبرى والمولات التجارية؟، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تمتلك الأدوات التي تؤهلها لخوض مُنافسة مع قطاع خاص يمتلك خبرة طويلة في إدارة سلاسل التوريد، والتسويق، والعروض التنافسية، والقُدرة على التوسع والاستثمار؟.
الأصل، أن مثل هاتين المؤسستين وجدتا من أجل خدمة مُنتفعيها من القطاعين العسكري والمدني، ومن أهدافهما تحقيق مزايا خاصة لهذه الفئة، ولم تكن الأرباح بحد ذاتها هدفًا عندما تم إنشاء هاتين المؤسستين.. إلا أن ذلك لم يدم طويلًا، إذ أصبح جميع من يقطنون على الأراضي الأردنية يستطيعون الاستفادة من خدمات هاتين المؤسستين بكُل فروعهما. 
قد يعني إلغاء «المدنية» انتهاء الامتيازات التي كانت حكرًا على مُنتفعيها، فهذه الامتيازات لم تكن منحة أو ترفًا، وإنما جزء من السياسة الاجتماعية للدولة في دعم أصحاب الدخل المُتوسط والمحدود.. وعندما تتساوى الخدمة المُقدمة للجميع، فإن الفئات التي أُنشئت هذه المؤسسة من أجلها قد تكون أول من يدفع الثمن.
لست بصدد الحُكم على نجاح عملية «الدمج»، والتي أصلًا تُقاس بقدرة المؤسسة على تحسين مُستوى الخدمة، وخفض الكُلف. لكن، التحدي الحقيقي هو ضمان ألا يؤدي «الدمج» إلى تراجع الدور الاجتماعي الذي قامت عليه المؤسستان، أو إلى فقدان الفئات المُستفيدة للامتيازات التي كانت تُمثل جُزءًا من منظومة الحماية الاقتصادية والاجتماعية التي وفرتها الدولة على مدى سنوات.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤسسات التي تُلغى أو تُدمج، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على الرسالة الاجتماعية التي قامت مثل هذه المؤسسات من أجلها، وفي حال ضياع هذه الرسالة، فإن الدمج سيكون مُجرد تغيير في الهيكل الإداري، لا إصلاحًا في جوهر الخدمة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية