اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المنسي يكتب: ما بعد الاستثنائية… نواب وحكومة أمام اختبار مختلف

{title}
أخبار الأردن -

 

جهاد المنسي


غالباً يُنظر إلى الدورات الاستثنائية لمجلس النواب على أنها محطات تشريعية مؤقتة، تبدأ بإرادة ملكية وتنتهي بانتهاء جدول الأعمال المحدد لها، أو حتى قبل إنهاء القوانين الواردة، لكن الدورة الاستثنائية الحالية تبدو مختلفة؛ فهي لا تمثل نهاية مرحلة بقدر ما تمهد لبداية أخرى، وربما تكون الأكثر أهمية سياسياً منذ تشكيل الحكومة وانتخاب مجلس النواب الحالي.
 

فالقوانين التي يناقشها المجلس اليوم ليست قوانين عابرة، من الإدارة المحلية إلى تنظيم العمل المهني، ومن الملكية العقارية إلى إعادة هيكلة بعض المؤسسات، نحن أمام حزمة تشريعية تمس بنية الإدارة العامة والاقتصاد والاستثمار، وتستكمل جانباً مهماً من برنامج التحديث الذي تتبناه الدولة، ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدورة لا تكمن في عدد القوانين التي ستُقر، وإنما في أنها تفتح الباب أمام مرحلة عنوانها المراجعة والتقييم.
المؤشرات السياسية توحي بأن عمر الدورة الاستثنائية لن يطول، وربما تنتهي ما بين العاشر والخامس عشر من الشهر المقبل، وبعدها مباشرة سيبدأ السؤال الذي يتردد منذ أسابيع في الصالونات السياسية: ماذا بعد؟
الإجابة الأولى تتعلق بالحكومة، فلا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد وجود تعديل وزاري، لكن من الصعب تجاهل أن انتهاء الاستحقاقات التشريعية الكبرى غالباً ما يسبق مراجعة لأداء الفريق الوزاري، وهذا ليس استثناءً في الحياة السياسية الأردنية، بل ممارسة اعتادت عليها الحكومات المتعاقبة عندما تنتقل من مرحلة الإنجاز التشريعي إلى مرحلة التنفيذ وقياس النتائج.
وبعد ما مضى من عمر الحكومة، تبدو المراجعة أمراً منطقياً، سواء أفضت إلى تعديل موسع، أو إلى إعادة توزيع بعض الحقائب، أو حتى إلى إعادة ترتيب الأولويات، فالمرحلة المقبلة لن تكون سهلة، والرهان لن يكون على إنتاج القوانين بقدر ما سيكون على تحويلها إلى نتائج يلمسها المواطن في الاستثمار، والخدمات، وفرص العمل، وتحسين كفاءة الإدارة العامة.
لكن الحكومة لن تكون وحدها أمام اختبار جديد؛ فمجلس النواب أيضاً يدخل مرحلة مختلفة تماماً، فالدورة العادية الثالثة لن تشبه ما سبقها، لأن المجلس نفسه تغيّر، كثير من النواب تجاوزوا مرحلة التعرف إلى أدوات العمل البرلماني، وبدأوا يدركون أن دورهم الحقيقي يبدأ الآن، وأن الناخب لن يقيس أداءهم بعدد الكلمات التي قيلت تحت القبة، وإنما بقدرتهم على ممارسة الرقابة والتأثير في القرار العام.
هذا يعني أن الحكومة ستتعامل مع مجلس أكثر ثقة بنفسه، وأكثر استخداماً للأدوات الدستورية، وأكثر استعداداً لفتح الملفات التي تمس حياة المواطنين، وربما يكون ذلك مؤشراً صحياً إذا أحسن الطرفان إدارة العلاقة بعيداً عن منطق الصدام أو المجاملة.
بموازاة ذلك، يبرز ملف آخر لا يقل أهمية، هو قانون الانتخاب، فالتجربة الأولى للقانون الحالي أصبحت خلفنا، وأصبح من الطبيعي أن تبدأ مرحلة التقييم، الأحزاب لديها ملاحظاتها، والنواب لديهم قراءتهم، وكل ذلك يوفر قاعدة مناسبة لمراجعة هادئة وموضوعية.
الحديث عن مراجعة قانون الانتخاب لا يعني أن فلسفة التحديث السياسي موضع تشكيك، بل على العكس؛ فنجاح أي مشروع إصلاحي يقاس بقدرته على مراجعة نفسه وتطوير أدواته؛ فالتشريعات ليست نصوصاً جامدة، وإنما أدوات تتطور مع التجربة، وما يثبت نجاحه يبقى، وما يحتاج إلى تعديل يُعدّل، دون ضجيج أو ارتباك.
لهذا كله، قد تكون المرحلة التي تلي الدورة الاستثنائية أكثر أهمية من الدورة نفسها، فالحكومة ستكون مطالبة بإثبات قدرتها على التنفيذ أكثر من التشريع، والمجلس سيكون أمام فرصة لترجمة حضوره السياسي إلى أداء رقابي وتشريعي أكثر نضجاً، بينما تستعد ملفات الإصلاح، وفي مقدمتها قانون الانتخاب، للعودة إلى طاولة النقاش.
لهذا، فإن الأشهر المقبلة ستكون اختباراً مزدوجاً؛ اختباراً لحكومة مطالبة بإثبات أن التشريعات التي أنجزتها ستنعكس على حياة الناس، واختباراً لمجلس نيابي يدخل عامه الثالث وهو أكثر خبرة، وأكثر ثقة، وأكثر إدراكاً بأن الشارع لم يعد يكتفي بالشعارات، بل ينتظر موقفاً، ورقابة، وإنجازاً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية