اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

منصور يكتب: في هجاء "مبادرة الشورت" النيابية

{title}
أخبار الأردن -

 

نضال منصور


يعيش الأردن استحقاقات إقليمية صعبة منذ حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وما تبعها من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ورغم تعرض الأراضي الأردنية لاعتداءات إيرانية مدانة ومرفوضة، أثارت جدلًا ونقاشًا في الشارع، وجد بعض النواب أن الأولوية تتمثل في مذكرة نيابية إلى الحكومة تطلب إعداد «مدونة سلوك إرشادية للذوق العام واللباس اللائق»، وقّع عليها ما يقارب 20 نائبًا حتى الآن.
 

المذكرة، التي بادر إلى توقيعها النائب فراس القبلان، تؤكد ضرورة التقيد بالدستور والقوانين، وتحترم الحريات الشخصية والخصوصية، وهي ليست ملزمة قانونًا، وإنما ذات طابع إرشادي.
أما مبرر المذكرة، فهو أنها تهدف إلى المحافظة على الهوية الوطنية والطابع الأسري.
طبعًا، ليست هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يمنح فيها بعض النواب الأولوية لقضايا هامشية لا تشغل بال الناس، ولا تشكل تحديًا يوميًا في حياتهم. فقد كانت هناك سوابق لمطالبات بمنع الاختلاط، والحفلات، وحتى الدعوات إلى إلغاء مهرجان جرش ومهرجانات فنية أخرى، وإطلاق اتهامات معلبة، وكلها كان مصيرها الفشل، ولم تكن سوى ضجيج ولفتٍ للأنظار، ثم تحولت إلى «ترند» على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتلاشى وتنتهي.
وما يزيد الغضب المجتمعي من هذه المبادرات النيابية هو شعور الناس بأن البرلمان عاجز عن التصدي لقضايا الفقر والبطالة، ولا يقوم بواجبه كما ينبغي في مراقبة الحكومات ومساءلتها، بينما يتحول إلى «سبع» يريد الوصاية على المجتمع، فيقرر نيابة عنه ما هو اللباس اللائق وما هو غير اللائق.
لا أعرف من أعطى بعض النواب الحق في أن يظنوا أنهم يملكون «مسطرة» الأخلاق والذوق في بلد متنوع في توجهاته وثقافاته.
والمشكلة ليست محصورة في بعض النواب، وإنما تمتد إلى قيادات حزبية وسياسية تريد أن يصبح المجتمع الأردني نسخًا كربونية في كل شيء. فهم يرون في الاختلاف ضعفًا، ولا يرون في التنوع مصدرًا للغنى والقوة. هؤلاء يريدون أن نلبس وفق مزاجهم، ونأكل كما يشتهون، ونتحدث باللغة التي يقررونها هم، لا التي نختارها نحن.
لم يدرك هؤلاء أن المجتمع الأردني تغير كثيرًا في ثقافته وعاداته ولباسه ومسكنه، ولذلك من حقنا أن نسألهم باستهجان: ما هو اللباس اللائق؟ وما هو مقياس الذوق العام؟
لم يعد بالإمكان إطلاق أوصاف جامعة على الأردنيين باعتبارهم لونًا واحدًا. فمن يستطيع الجزم، مثلًا، بأننا مجتمع محافظ؟ وهناك أمثلة أخرى يعتبرها البعض محسومة سلفًا، وهي في الحقيقة ليست كذلك.
ما يحكم الأردنيين، والفيصل بينهم، هو الدستور والقانون، وليس كلامًا مرسلًا عن العادات والتقاليد والذوق العام. فما يراه البعض خرقًا للمنظومة الاجتماعية قد يراه كثيرون استحقاقًا طبيعيًا للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ولدخول منصات التواصل الاجتماعي، وثورة الاتصالات التي كسرت كل الحدود.
على منصات التواصل الاجتماعي، حظيت مبادرة النواب بشأن اللباس اللائق بنقد ومديح وهجاء، وسماها البعض «مدونة الشورت»، لأن هناك من أزعجهم أن يرتدي بعض الشباب «الشورت» في الصيف. وما يهمنا هو أن يتوقف أيّ كان عن التفكير في فرض منظومته الأخلاقية والقيمية على المجتمع، باعتبارها الحقيقة الجامعة، وأن ما عداها باطل.
نصيحة إلى بعض النواب: لا تهربوا من أولوياتكم، ولا تبالغوا في شطط الأفكار التي تسقط في أول اختبار مجتمعي، وإياكم أن تعلقوا أعواد المشانق لمن يختلف معكم. اللهم إني قد بلغت.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية