ناصر الدين يكتب: تسليط الضوء!
يعقوب ناصر الدين
في الوقت الذي تغرق فيه المنطقة بظلام الحرب لا بد لنا أن نسلط الضوء على الأسس التي بنى الأردن موقفه عليها، ليس بصفته دولة من بين دول المنطقة التي أصبحت جزءا من إقليم مشتعل تهدده صراعات قائمة وأخرى قد تنشأ باعتبارها ارتدادات للزلزال الذي يضرب المنظومة العربية في العمق، أو كنتيجة للتفاعلات العرقية والمذهبية والأيديولوجية وغيرها من التناقضات السياسية التي تعيشها المنطقة منذ فترة طويلة .
سأعود إلى نقطة انطلاق ضرورية هنا تشير إلى الإنذار المبكر الذي أطلقه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين قبل عقدين من الزمن حول (الهلال الشيعي)، والذي فسره بشكل واضح وقاطع لصحيفة الرأي العام الكويتية في مقابلة مع جلالته نشرت يوم الخامس من كانون الثاني عام 2005 حيث قال: " إن عالمنا العربي يشهد تفاعلات وانفعالات تتداخل فيها العوامل السياسية والأمنية وأحيانا العقائدية والطائفية وحتى المصلحية الضيقة بصورة تدعو إلى التنبه والحذر"، والآن وحين ننظر إلى واقع المنطقة بعد ما يزيد على عشرين عاما على ذلك التحذير سنلمس حتما الجزء المتعلق بنا من هذه الحرب التي يتعرض الأردن ودول الخليج بسببها لاستهداف إيراني مباشر لأمنها ومصالحها الكبرى بحجة وجود قواعد أميركية على أراضيها!
سأعود كذلك إلى نقطة أخرى تتعلق بموقف جلالة الملك من مجمل الواقع الدولي الذي يفهم الآن على أنه سبب أساسي من أسباب تتابع موجات الاضطرابات دون توقف، ذلك الموقف الذي شرحه أمام البرلمان الأوروبي العام الماضي حين حذر من أن السكوت على الجرائم الإسرائيلية في غزة، وعلى مشاريع الاستيطان والتهويد والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية سيؤدي إلى الانفلات، وكأن العالم قد فقد بوصلته الأخلاقية، فعندما يفقد العالم قيمه الأخلاقية نفقد حينها قدرتنا على التمييز بين الحق والباطل، وبين ما هو عادل وما هو قاس، الأمر الذي يولد الصراع.
بالإمكان العودة إلى العديد من التحذيرات التي أطلقها جلالة الملك استنادا إلى رؤية صاحب عقل إستراتيجي قادر على قراءة الواقع بالحكمة والروية، وعلى استشراف المستقبل من نقطة تربط بين التاريخ بعمقه الروحي والإنساني، والحاضر بأبعاده المختلفة وامتداداته نحو المستقبل، فلا أحد يمكنه أن يلخص الموقف من زاوية ضيقة تصور الأردن كما لو أنه مغلوب على أمره، بينما تخطئ إيران خطأ فادحا حين تضع الأردن في خانة الأعداء وقد كان عليها أن تجسر الهوة التي صنعتها لو أخلصت النية بين الشيعة والسنة من خلال ملك ينحدر من بيت آل النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومن نسل علي كرم الله وجهه، لكن يبدو أن القومية العربية في حد ذاتها تشكل تناقضا آخر لا يقل شأنا بالنسبة لها عن التناقض الأول!
لم تكن إيران بالنسبة لنا عدوا، وعلاقة بلدنا بالولايات المتحدة الأميركية تأتي ضمن مصالح بلدنا العليا، وضمن خياراته في بناء علاقاته الدولية، والأردن ليس شريكا في أهداف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ولكن إيران هي التي اعتدت عليه وعلى أشقائه في مجلس التعاون الخليجي، ولسنا مستعدين الآن لتقبل تبريرات من أي نوع، فلو كان الأمر غير الاستقواء على البلاد العربية لشملت تبريراتها وأسبابها دولا أخرى غير عربية في جوارها تقع على أراضيها قواعد عسكرية أميركية إستراتيجية!
ما يهمنا هو فهم الأردنيين جميعا لهذه الحقائق، وإيمانهم بأن بلدهم لم يعتد، بل اعتدي عليه فلا تغرهم الشعارات ولا الأوهام، ذلك أن الحقائق سبق وأن قالها قائدنا جلالة الملك بكل أمانة وصدق وإخلاص للحق والعدل والسلام، وليس هناك الآن ما يحتاج إلى مزيد من التفسير والشرح!







