اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: حرب المنطقة في سياق أزمة الرأسمالية..! (2/2)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


بعد تحليل الباحثة آن ألكسندر للسياق الجيوسياسي للحرب الراهنة في الشرق الأوسط، تتحول إلى تفكيك التحولات البنيوية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي للبرهنة على أن مركز المنافسة الدولية انتقل من السيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية إلى إعادة تنظيم البنية الإنتاجية العالمية، والتحكم في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة والاقتصاد الرقمي. وضمن هذا المنظور، يتحول الشرق الأوسط من مجرد كونه مسرحًا للصراعات الإقليمية إلى كونه جزءًا من عملية إعادة هيكلة أوسع للرأسمالية العالمية.
 

تستعين الكاتبة بتحليلات فلاديمير لينين ونيقولاي بوخارين للإمبريالية، لكنها تطورها بما يتناسب مع التحولات الراهنة في الاقتصاد العالمي. وتشير إلى أن الإمبريالية تحولت من السيطرة على المستعمرات أو نهب المواد الخام لتتعلق أيضًا بالهيمنة على التقنيات المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والبنية الرقمية، ووسائل إنتاج المعرفة. وكما كانت السكك الحديدية وشبكات البرق والكهرباء والمصارف تعكس موازين القوة في مطلع القرن العشرين، أصبحت مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة السحابية اليوم هي التي تشكل المؤشرات الحقيقية على التفوق الاقتصادي على المستوى العالمي.
ولا تتفق ألكسندر مع فكرة أن الولايات المتحدة تشهد انهيارًا صناعيًا كما يُشاع أحيانًا، وترى أنها أعادت بناء تفوقها في قطاعات إستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة والتقنيات المتقدمة. وقد وضعت ثورة النفط والغاز الصخريين الولايات المتحدة في موقع أكبر منتج للطاقة في العالم بفضل الاستثمارات طويلة الأمد في البحث العلمي والهندسة الدقيقة. وفي المقابل، حققت الصين تحولًا إنتاجيًا هائلًا من خلال التصنيع واسع النطاق والاستثمار الكثيف في الطاقة والبنية التحتية والبحث والتطوير، حتى أصبحت المنافس الأول لواشنطن في معظم الصناعات المتقدمة.
على هذا الأساس، تفسر الكاتبة التنافس الأميركي–الصيني بأنه سباق على قيادة المرحلة المقبلة من الرأسمالية العالمية، التي تتداخل فيها الطاقة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، في منظومة إنتاجية واحدة. وقد اكتسبت دول الخليج أهمية استثنائية في هذه التركيبة الجديدة لأنها تجمع بين احتياطيات الطاقة الضخمة، والاستثمارات المتسارعة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما أنها أصبحت ساحة تتنافس فيها الشركات الأميركية والصينية الكبرى، مثل «مايكروسوفت»، و»أمازون»، و»غوغل»، و»هواوي»، و»علي بابا»، و»تنسنت». وقد حول ذلك منطقة الخليج من خزان للطاقة إلى إحدى أهم ساحات المنافسة على قيادة الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفق هذه الرؤية، ترى ألكسندر أن الحرب على إيران ترتبط بإعادة ترتيب التوازنات الاقتصادية في منطقة أصبحت حيوية لمستقبل الرأسمالية العالمية. وتلفت إلى أن معظم النفط العابر لمضيق هرمز يتجه اليوم إلى آسيا -الصين والهند بشكل خاص- وهو ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر البحري قضية تتجاوز اقتصادات المنطقة لتمس الاقتصاد العالمي بأسره. وبذلك تكون الحرب الجارية على إيران جزءًا من صراع أوسع على التحكم في البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الجديد.
في قراءتها للوضع الإيراني، ترى ألكسندر أن الجمهورية الإسلامية تواجه أزمة مركبة تغذيها الضغوط الخارجية والتناقضات الداخلية معًا. فقد قيدت العقوبات الأميركية قدرة الاقتصاد الإيراني على الوصول إلى الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا الحديثة، وأضعفت قدراته الإنتاجية مقارنة ببعض القوى الإقليمية. وفي الوقت نفسه، أدى التحديث الاقتصادي، خصوصًا في القطاع الرقمي، إلى نشوء طبقة من رجال الأعمال والشركات الخاصة المرتبطة بالدولة، والتي أصبحت مصالحها تتضرر مع كل قيود تفرضها السلطة على الإنترنت والاقتصاد الرقمي لاحتواء الاحتجاجات. وتعكس هذه المفارقة، في رأيها، معضلة هيكلية: في حين يحتاج النظام إلى الانفتاح الاقتصادي لاستمرار النمو، فإنه يخشى ما قد يرافقه من تحولات سياسية واجتماعية.
باعتبار المشكلة الأساسية تتعلق بالرأسمالية، تولي ألكسندر اهتمامًا خاصًا بالحركة العمالية –وبخاصة في قطاع النفط والغاز الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في أشكال التنظيم والإضراب. وقد نجح العمال في بناء هياكل تنسيق مستقلة نسبيًا وتنظيم إضرابات واسعة شملت عشرات المواقع الإنتاجية. وترى أن هذه الحركة تمتلك -بحكم موقعها الاقتصادي- قدرة استثنائية على الربط بين المطالب المعيشية والنضال السياسي. وتستدعي ألكسندر الدور المهم الذي لعبته إضرابات النفط في إسقاط نظام الشاه خلال الثورة الإيرانية في العامين 1978 و1979. لكنها تحذر أيضًا من الإفراط في التفاؤل. فقد أضعفت الحرب الأخيرة -إلى جانب القمع الذي أعقب احتجاجات كانون الثاني (يناير) 2026- فرص تطور الحركة الشعبية. كما منحت حرب أميركا والكيان السلطات الإيرانية ذرائع إضافية لتشديد القبضة الأمنية وإضعاف إمكانات التنظيم المستقل.
في الإطار الأوسع المتعلق بالمنطقة ككل، تستحضر ألكسندر تجربة العراق في العام 1991 باعتبارها تحذيرًا من المراهنة على التدخل العسكري الأميركي لتحقيق التحرر. في ذلك الوقت، شجعت واشنطن العراقيين على الانتفاض ضد نظام صدام حسين، ثم تخلت عنهم عندما أصبح نجاح الانتفاضة يتعارض مع مصالحها الإستراتيجية. والدرس المستفاد هو أن القوى الإمبريالية تدعم الحركات الشعبية بقدر ما تخدم أهدافها فحسب، ولا يمكن التعويل عليها لتحقيق التحرر الوطني أو الديمقراطي.
وإذن، تعكس الحرب الراهنة في الشرق الأوسط، بحسب ألكسندر، أزمة بنيوية في النظام الرأسمالي العالمي. وبذلك يقتضي تجاوزها بناء تضامن طبقي عابر للحدود يتخطى الانقسامات القومية والطائفية. وقد كشفت تجارب العقود الماضية محدودية التعويل على الدولة -سواء كانت قومية أو دينية- وأظهرت أن مشروعًا ديمقراطيًا جذريًا تقوده الطبقات الشعبية يظل البديل الأكثر قدرة على مواجهة الحرب والإمبريالية.
تتطلب مواجهة الحرب –في رأي الكاتبة- بناء حركة أممية مناهضة للحرب تستند إلى الطبقة العاملة والنقابات والحركات الاجتماعية. وتدعو إلى تعطيل تدفق الأسلحة، وتنظيم الإضرابات، ومقاطعة الصناعات العسكرية. وتستشهد بمواقف عمال الموانئ في إيطاليا واليونان والمغرب الذين رفضوا تحميل الشحنات المتجهة إلى الكيان خلال الحرب على غزة.
لا يغني عرض موجز لمقال ألكسندر عن قراءته، وهو المكتوب في نحو ثمان وعشرين صفحة. وهو يعرض، أيًا كانت مرتكزاته، أطروحة طموحة نظريًا وواسعة الأفق، تضيء الصلات بين الاقتصاد السياسي، والعلاقات الدولية، وتاريخ الإمبريالية، والتحولات التقنية. وهو يقدم تفسيرًا متماسكًا للحرب الجارية في منطقتنا باعتبارها أحد تجليات إعادة تشكيل النظام الرأسمالي العالمي -في اختلاف عن التفسيرات الاجتزائية الرائجة. ومع أن رهانه على الدور التاريخي للطبقة العاملة يعكس انحيازه الواضح إلى المدرسة الماركسية، يقدم المقال مساهمة فكرية مهمة في فهم العلاقات بين تحولات الرأسمالية العالمية، والتنافس بين القوى الكبرى، واستمرار الحروب في منطقتنا بوصفها نتاجًا لبنية عالمية مأزومة تتجاوز كثيرًا مجرد آليات الإقليم.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية