الدعجة يكتب: جيوبوليتيك الممرات وأمن الطاقة: من هرمز إلى باب المندب
حسن الدعجة
لم تعد المعركة الدائرة حول مضيقي هرمز وباب المندب مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل أصبحت أزمة جيوسياسية تمس بنية الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية. فالمضيقان يشكلان معًا جناحي حركة الطاقة القادمة من الخليج العربي؛ إذ يمثل هرمز منفذًا رئيسًا لصادرات النفط والغاز، بينما يربط باب المندب هذه التدفقات بالبحر الأحمر وقناة السويس والأسواق الأوروبية. ومن ثم، فإن تعطلهما المتزامن يضع التجارة العالمية أمام ما يشبه «كماشة جيوسياسية» تحاصر تدفقات الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا.
تنبع خطورة مضيق هرمز من عبور نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا عبره خلال عام 2025، فضلًا عن أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، تعادل قرابة خُمس تجارته العالمية. كما أن نحو 80 % من النفط المار عبره يتجه إلى آسيا، بينما لا تتجاوز القدرة المتاحة للطرق البديلة ما بين 3.5 و5.5 مليون برميل يوميًا. ولا تقتصر أهميته على الطاقة؛ إذ يمر عبره أكثر من 30 % من تجارة اليوريا العالمية ونسب مهمة من الأمونيا والفوسفات، ما يربط أمن المضيق مباشرة بالأمن الغذائي العالمي. وكالة الطاقة الدولية
أما باب المندب، فيتحكم في الوصول إلى البحر الأحمر وقناة السويس، ويُعد المنفذ الطبيعي لنقل جانب من النفط السعودي المحوّل عبر خط أنابيب الشرق– الغرب إلى موانئ البحر الأحمر. ولذلك فإن امتداد المواجهة إليه يضعف فعالية أحد أهم البدائل لهرمز. وقد دفعت التهديدات والهجمات الأخيرة ناقلات إلى تغيير مساراتها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، في رحلة أطول وأكثر تكلفة، بينما تجاوز خام برنت حاجز مائة دولار، واقتربت بعض الشحنات الفعلية من 110 دولارات للبرميل.
اقتصاديًا، لا ينتقل أثر الأزمة إلى المستهلك من خلال سعر النفط وحده، بل عبر سلسلة مركبة تشمل ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وأجور الناقلات، وكلفة الوقود، ومدد التسليم، ورسوم التخزين والموانئ. وتنعكس هذه التكاليف على أسعار الكهرباء والنقل والمواد الخام والأسمدة والغذاء والسلع المصنعة. كما تدفع موجة التضخم الجديدة البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، ما يبطئ الاستثمار والنمو ويرفع كلفة الديون، خصوصًا في الدول النامية المستوردة للطاقة. وقد ارتفعت أسعار الكهرباء في الاتحاد الأوروبي واليابان خلال الربع الثاني من 2026 بأكثر من 30 % على أساس سنوي نتيجة أزمة الغاز المسال.
ولا يعني ارتفاع أسعار النفط أن جميع الدول المنتجة ستكون رابحة. فالدول القادرة على إيصال صادراتها عبر مسارات آمنة قد تحقق إيرادات إضافية، لكن المنتجين المعتمدين على هرمز قد يواجهون خفض الإنتاج بسبب امتلاء الخزانات وتعذر تحميل الناقلات، فضلًا عن توقف المصافي وارتفاع كلفة التأمين والصيانة والحماية العسكرية. أما بعض الدول، فتواجه حساسية أكبر لغياب طريق بحري بديل لصادراتها الضخمة من الغاز المسال. وفي المقابل، تستفيد مؤقتًا دول منتجة خارج المنطقة، مثل الولايات المتحدة والنرويج وبعض الدول الأفريقية، من زيادة الطلب، لكنها تبقى معرضة لتباطؤ الاقتصاد العالمي وانكماش الاستهلاك.
سياسيًا، تعيد الأزمة توزيع النفوذ في سوق الطاقة، وتدفع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية إلى تنويع الموردين وزيادة المخزونات وربط أمن الطاقة بحضورها الدبلوماسي والبحري. كما تمنح القوى الكبرى مبررات لتوسيع وجودها العسكري في المياه العربية، بما قد يحول حماية الملاحة إلى أداة نفوذ طويل الأمد.
وتتحمل الاقتصادات العربية غير النفطية أعباء مضاعفة، تتمثل في ارتفاع فاتورة الاستيراد، وتراجع حركة قناة السويس والموانئ والسياحة، وزيادة كلفة الغذاء والنقل والدعم الحكومي.
وتتطلب معالجة المعضلة إستراتيجية متدرجة تقوم على خمسة مسارات مترابطة:
ينبغي التأكيد أن مضيق هرمز كان مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، ولم يتعرض للإغلاق أو التعطيل الواسع إلا نتيجة اندلاع الحرب الأميركية– الإسرائيلية على إيران. ومن ثم، فإن أزمة الملاحة ليست حدثًا منفصلًا، بل نتيجة مباشرة لتوسيع المواجهة العسكرية إلى الممرات البحرية ومنشآت الطاقة. فتتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية أساسية في وقف الحرب وإيجاد مخرج سياسي يعيد فتح المضيق ويضمن حرية الملاحة. وانطلاقًا من ذلك، تقترح المعالجة الآتية:
وقف العمليات العسكرية الأميركية– الإسرائيلية ضد إيران بوصفه المدخل الرئيس لإعادة فتح مضيق هرمز، وإطلاق مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة برعاية الأمم المتحدة والدول الخليجية، تتضمن ضمانات متبادلة بعدم استهداف السفن والمنشآت النفطية والموانئ.
إلزام الأطراف التي تسببت في توسيع الحرب بالعمل على إزالة نتائجها، وعدم الاكتفاء بمطالبة دول المنطقة بحماية الملاحة أو تحمل كلفة التأمين والطاقة. كما ينبغي رفض استخدام حماية المضائق ذريعة لتكريس وجود عسكري أجنبي دائم أو فرض ترتيبات أمنية تتجاوز سيادة الدول المطلة عليها.
تأسيس منظومة دولية مشتركة لأمن الممرات البحرية ذات طبيعة دفاعية، تشمل الإنذار المبكر والمراقبة وتبادل المعلومات والإنقاذ ومكافحة الألغام، على ألا تتحول إلى طرف في الحرب أو أداة لخدمة أجندة أي قوة دولية.
تتجسد الخطوات الاحترازية لمواجهة الأزمة في إحياء خط "التابلاين" المار بالأردن وسورية ولبنان وصولاً إلى أوروبا، وتوسيع الشبكات الملتفة حول المضائق، إضافة إلى تعزيز قدرات التخزين والتصدير ساحلياً؛ غير أن هذه المقترحات تبقى مجرد مسكنات لا تُغني عن ضرورة إنهاء الحرب وإعادة الملاحة إلى مسارها الطبيعي.
تنسيق الإفراج المؤقت عن الاحتياطيات النفطية، وإنشاء صندوق دولي وإقليمي لتغطية مخاطر الشحن ومساعدة الدول المتضررة، على أن تسهم فيه بصورة أكبر القوى التي تسببت عملياتها العسكرية في تعطيل الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة.
حماية المجتمعات من التداعيات الاقتصادية من خلال دعم نقدي موجه، وتأمين مخزونات الوقود والقمح والأسمدة، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي، بما يقلل مستقبلًا من قدرة الحروب على ابتزاز الاقتصاد العالمي.
وبذلك، يجب ألا يُختزل الحل في مرافقة السفن عسكريًا أو عسكرة المضيق، لأن ذلك يعالج النتيجة ويتجاهل السبب. فإعادة فتح هرمز تبدأ بوقف الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، ثم بناء ترتيبات سياسية وأمنية تضمن حرية الملاحة، وتحول دون تحميل شعوب المنطقة والعالم كلفة حرب لم تكن طرفًا في قرار إشعالها.
إن حماية هرمز وباب المندب ليست قضية تخص الدول المطلة عليهما وحدها، بل مسؤولية دولية ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي. غير أن الحل المستدام لا يكمن في عسكرة المضيقين، وإنما في تحييدهما عن الصراعات، وتنويع مسارات الطاقة، وبناء منظومة أمنية واقتصادية تمنع أي طرف من تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة لابتزاز العالم.







