المجالي يكتب : التجميد لا يعني المصادرة
حسان سلطان المجالي - مستشار قانوني
يثير إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نيتها استخدام جزء من الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض السفن المتضررة وغيرها من المطالبات القانونية تساؤلاً بالغ الأهمية مفاده : هل يحق لدولة أن تتصرف بأموال دولة أخرى لمجرد أنها جمدتها بموجب عقوبات اقتصادية ..؟
أم أن القانون الدولي يضع قيوداً وإجراءات لا يجوز تجاوزها ..؟
الإجابة القانونية هنا تقتضي التمييز بين مفهومين كثيراً ما يتم الخلط بينهما وهما تجميد الأموال ومصادرتها ....
فالعقوبات الاقتصادية سواء كانت أحادية الجانب أو متعددة الأطراف فإنها تهدف في الأصل إلى تقييد التصرف بالأموال ومنع نقلها أو استثمارها أو استخدامها ، لكنها "لا تنقل ملكية تلك الأموال إلى الدولة التي فرضت العقوبات" ، فالملكية تبقى قانونياً للدولة أو الشخص الذي تعود إليه الأموال ، ويقتصر أثر التجميد على وقف الانتفاع بها بصورة مؤقتة إلى حين زوال سبب التجميد أو صدور سند قانوني يجيز خلاف ذلك ....
ومن هنا فإن الأموال المجمدة هي ليست "أموالاً مباحة" للدولة الحاجزة ، وليست "غنيمة" يمكن التصرف بها بإرادة منفردة ، وإنما تبقى أموالاً مملوكة لأصحابها ، وإن كانت مقيدة التصرف ....
ولهذا السبب فإن صرف الأموال المجمدة كتعويضات لا يعد أثراً تلقائياً للعقوبات الاقتصادية ، وإنما يحتاج إلى أساس قانوني مستقل ، فالأصل أن التعويض لا يثبت إلا بعد قيام "المسؤولية القانونية" وإثبات الضرر ووجود علاقة السببية بين الفعل والضرر ، ثم صدور حكم قضائي أو سند قانوني يجيز التنفيذ على تلك الأموال ....
وفي الولايات المتحدة لم يكن التنفيذ على بعض الأصول الإيرانية المجمدة نتيجة "قرار إداري" صادر عن السلطة التنفيذية فحسب ، وإنما استند إلى تشريعات اتحادية خاصة أقرها الكونغرس ، وإلى أحكام قضائية صدرت في قضايا محددة ، ولا سيما تلك المتعلقة بتعويض ضحايا العمليات الإرهابية ، أي أن التصرف بالأموال جاء ضمن إطار قانوني داخلي ، وليس باعتباره أثراً تلقائياً للعقوبات الاقتصادية ....
إلا أن صحة هذا الإجراء وفق القانون الأمريكي الداخلي لا تعني بالضرورة انسجامه مع قواعد القانون الدولي ، إذ يظل محل نقاش فقهي وقضائي واسع خاصة فيما يتعلق بمبدأ "حصانة الدول وأموالها" ، وهو مبدأ مستقر في القانون الدولي ويقضي بعدم جواز التنفيذ على الأموال السيادية الأجنبية إلا في حالات استثنائية ووفق ضوابط دقيقة ...
أما إذا تعلق الأمر بتعويض ملاك السفن أو الشركات البحرية عن أضرار يُدعى أن إيران تسببت بها ، فإن مجرد وجود أموال إيرانية مجمدة لا يمنح أي جهة سلطة اقتطاع تلك الأموال مباشرة ، بل إن ذلك يفترض من حيث الأصل وجود دعوى قانونية ، وإثبات للمسؤولية ، وحكم قضائي نافذ ، أو اتفاق دولي ، أو تسوية تقبل بها الدولة المعنية ....
إن تجاوز هذه الضمانات القانونية يثير إشكاليات تتعلق بحماية الملكية واحترام الحصانة السيادية واستقرار العلاقات الدولية ، لأن السماح لأي دولة بالتصرف بأموال دولة أخرى دون ضوابط قانونية وقضائية من شأنه أن يفتح الباب أمام ممارسات مماثلة تهدد "الثقة بالنظام المالي الدولي" ، وتضعف المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي العام ....
ولذلك ، فإن القاعدة القانونية التي ينبغي التمسك بها واضحة وهي : أن العقوبات الاقتصادية تجمد الأموال ، لكنها لا تصادرها ، والتجميد لا ينقل الملكية ، والتعويض لا يكون مشروعاً إلا بناءً على سند قانوني وإجراءات قضائية تكفل احترام مبدأ سيادة القانون وحقوق الملكية وحصانة الدول ...
إن احترام هذه المبادئ ليس "دفاعاً عن دولة بعينها" ، وإنما دفاع عن قاعدة قانونية دولية تحمي جميع الدول ، لأن إضعافها اليوم بحق دولة معينة قد يصبح سابقة قانونية تُستند إليها مستقبلاً بحق دول أخرى ، وهو ما يتعارض مع الاستقرار القانوني الذي يفترض أن يحكم العلاقات الدولية ...
والله المستعان .



