اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خريسات يكتب: المبلغون عن الفساد بين كتمان الهوية وتبديد هواجس الكيدية

{title}
أخبار الأردن -

 

رامي خريسات


رائع هو الأردن الذي لا يقمع فيه الفضاء الرقمي الناقد، الكاشف للفساد بالأسماء والوثائق، إذ باتت الرسالة واضحة في استيعاب الإبلاغ الرقمي ضمن منظومة النزاهة الحديثة. وهذا ما تؤكده الإرادة السياسية، بدليل أن جلالة الملك، وخلال تسلمه التقرير السنوي لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد لعام 2021، أكد على أهمية التركيز على حماية الشهود والمبلغين، لتشجيع المواطنين على أداء دورهم الوطني، بما يعزز الشراكة المجتمعية في حماية المال العام وترسيخ النزاهة.
 

وهناك الرغبة المؤسسية في تلقف ما ينشر ومتابعته من قبل هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وهي التي نجحت في استرداد ومنع هدر نحو نصف مليار دينار من المال العام خلال السنوات السبع الماضية، وفق تقاريرها الرسمية.
إن تجذير هذا العمل بشكل مؤسسي، بما يعمق في وجدان الأردنيين المتعطشين للنزاهة الكارهين لملوثي الأيدي، يتطلب بداية التساؤل: لماذا يلجأ المُبلّغ عن الفساد إلى الفضاء الرقمي بدلاً  من رئيسه المباشر أو هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، رغم كونها خيارات متاحة؟ الجواب يكمن في ثلاثة عوامل رئيسة: البحث عن السرية المطلقة، والخشية من الانتقام والعقاب بما يضر المُبلّغ وعائلته، وأخيراً غياب الحافز.
إذن، أمامنا بديلان إبلاغيان: مسار رقمي غير رسمي يضمن السرية والتحرك الفوري كاتم للهوية؛ ومسار حكومي وفق نظام حماية  المبلغين  قد يكشف الأسماء وفق النصوص ومقتضيات المصلحة العامة، ويستغرقه التوثيق والحرص وقتاً طويلاً في دهاليز البيروقراطية.
لن يخاطر المُبلّغ بمستقبله المهني وتعريض عائلته للفاقة، إلا إذا اطمأن لكتمان هويته وموقعه وعنوانه الإلكتروني. لذلك  نحتاج وسائل إبلاغ عالية التشفير، لا تتطلب ذكر الأسماء حتى لموظفي هيئة النزاهة، ولا تُكشف الهوية إلا باختيار المبلّغ. 
غالباً لا تسطع الحقيقة الكاشفة للفساد  إلا من داخل الجهة الحكومية نفسها ، مما يستوجب  وضع نظام فلترة محكم قادر على فرز البلاغات الكيدية عن البلاغات الحقيقية ، وعندها فقط يتقدم المخلصون الصادقون. ويستكمل هذا البناء القانوني بنصوص واضحة تعتبر أي إجراء سلبي يُتخذ بحق المبلّغ خلال سنتين من تقديم بلاغه، بمثابة إجراء انتقامي مرفوض ، ما لم تثبت جهته الحكومية العكس.
يقتضي الأمر تعديلاً تشريعياً صريحاً، يعترف بشرعية البلاغات مجهولة الأسم المدعومة بوثائق دامغة، عبر تطبيقات رسمية عالية التشفير ومحصنة بآليات رادعة تمنع استغلالها في البلاغات الكيدية. فمكافحة الفساد في العصر الرقمي لم تعد محصورة في دور المفتش والمدقق، بل أصبحت قائمة على بناء منظومة متكاملة،  تمكّن كل مواطن يمتلك معلومة عن هدر المال العام من إيصالها بكل أمان، ليكون شريكاً للدولة في حماية النزاهة لا خصماً لها.
سيكون لهذه التعديلات اثر بالغ في  تعقب الأموال المنهوبة واستردادها بسرعة أكبر، ويُقلص فرص إفلات الفاسدين أو تهريب الأموال إلى الخارج. فالمبلّغ الذي يطمئن إلى سرية هويته يكون أكثر جرأة في تقديم معلومات مفصلة ووثائق دامغة، مما يضاعف قدرات الهيئة على استعادة حقوق الدولة والمواطنين .

والخلاصة أن المواطن والموظف الأردنيين يمتلكان الحس الوطني الصادق والرغبة الحقيقية في كشف الفساد، لكنهما بحاجة ماسة إلى بيئة آمنة تحمي المبلّغ، وإلى حوافز حقيقية تعزز ثقافة الإبلاغ. أما الحديث عن تفاصيل تلك الحوافز، فهو حديث مقبل يستحق التوقف عنده.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية