خطاطبة يكتب: الفرح لا يقاس بحجم الإنفاق
محمود خطاطبة
لم تعد تكلفة الفرح تُقاس بعدد المدعوين، بل بمظاهر كاذبة وتكاليف باهظة لا داعي لها.. في هذه الفترة من كُل عام، أي خلال أشهر الصيف وعودة المُغتربين، نشهد موسمًا حافلًا بالمُناسبات الاجتماعية، بدءًا من حفلات تخرج طلبة الجامعات، مرورًا باحتفالات النجاح في امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة (التوجيهي)، وصولًا إلى حفلات الزفاف.. وهذه مُناسبات تستحق الفرح، إلا أن المُبالغة في الاحتفال بها أصبحت ظاهرة تستدعي التوقف، خصوصًا في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعيشها أُسر كثيرة.
للأسف، نُلاحظ تزايد ثقافة جديدة تفرض نمطًا من الاحتفالات يُركز على القشور لا الجوهر؛ إذ تُصر فئة غير قليلة على إقامة حفلات فاخرة، واستئجار قاعات أو «مزارع» باهظة الثمن، والاستعانة بفريق تصوير مُحترف، وذلك بُغية الحصول على إعجاب الكثير من الأهل والأصدقاء، وكأننا أمام مُعادلة تؤشر على أن الفرح الناجح يُقاس بحجم تكلفته.
بمعنى، أن السلوكيات الاستهلاكية المُعاصرة بدأت تتحول من مساحات رحبة للفرح العفوي الصادق إلى منصات استعراضية للمُباهاة والتفاخر، وسباقات محمومة نحو إنفاق غير مُبرر.
الخوف، أن تزداد ثقافة «المُقارنة»، والتي تدفع أُسر إلى إنفاق مبالغ تتجاوز إمكاناتها، خشية أن تبدو أقل شأنًا من غيرها. وهُنا، تتحول المُناسبة من مصدر للفرح إلى مصدر للضغط النفسي والمالي، بحيث يُصبح الاهتمام بالمظاهر مُقدمًا على القيمة الحقيقية للمُناسبة.
وهذا ما بات يُلاحظ في حفلات التخرج الجامعي، وعند إعلان نتائج امتحان «التوجيهي»، والتي باتت تمتد إلى إقامة حفلات خاصة، بما يشتمل ذلك على استئجار قاعات، وولائم وهدايا وألعاب نارية، ومواكب سيارات، أما حفلات الزفاف، فحدث بلا حرج، والتي أصبحت تُشكل تحديًا اقتصاديًا جديدًا للأُسر، وهي مُطالبة بضرورة تأمين تكاليف الزواج غير المُبررة، الأمر الذي يجعل من الزواج في الوقت الحالي أكثر كُلفة.
المظاهر «الكاذبة» تلك، أو لنقل «الثقافة الجديدة»، حتمًا ستؤدي إلى وقوع الكثير من الأُسر في فخ «الاعتلال المالي»، ما يضطرها للاقتراض لتغطية نفقات لا يوجد أي مُبرر لها.. وما يدعو للاستغراب أن مُناسبة تستمر لساعتين أو ثلاثة قد تترك أعباء مالية قد تستمر لسنوات، وبالتالي عدم المقدرة على تلبية احتياجات أساسية أكثر أهمية، مثل دفع الرسوم الجامعية للأبناء أو توفير الرعاية الصحية المُناسبة.
يبدو أن هُناك فئات في المُجتمع الأردني، الذي عُرف عنه البساطة وعدم التكلف، باتت تربط الفرح بحجم الإنفاق وفخامة الحفل، حتى لو كان ذلك باللجوء إلى القروض، مُتناسية أنها ليست مُضطرة للإنفاق فوق قدرتها من أجل إرضاء فئة مُعنية، أو كي يقول الناس بأن الحفل كان مُبهرًا.
الآن، نحن بحاجة إلى العودة للزمن الجميل، الذي كان يمتاز بالطيب والتكافل، وبحاجة إلى ترسيخ «ثقافة الاعتدال» في الفرح، فمن حق كُل أُسرة أن تفرح وتقيم حفلًا لكن بما يتناسب مع إمكاناتها دون أي إسراف، وهذه مسؤولية لا تقع على عاتق الفرد أو الأُسرة فقط، وإنما على الإعلام والمؤسسات التعليمية وبيوت العبادة.
في الختام، يجب أن تبقى المُناسبات السعيدة في حياتنا محطات حيوية لشحن الطاقة الإيجابية وتعميق الروابط الاجتماعية والأُسرية، وليست مواسم تُسبب قلقًا اقتصاديًا وتراكم ديون، أما الانسياق الأعمى نحو المظاهر الكاذبة، والانجرار نحو بريق منصات التواصل الاجتماعي، فذلك من العوامل الرئيسة التي تُضعف التماسك الأُسري وتزيد من الضغوط الاقتصادية.






