الحديد يكتب: التصعيد اليمني الذي قد يغير قواعد اللعبة
زيدون الحديد
من يقرأ المشهد يعلم جيدا أن التصعيد في الشرق الأوسط لم يعد مجرد ردود فعل متبادلة بين أطراف متنازعة، بل أصبح جزءا من إستراتيجية أوسع لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة والعالم، فما يجري في اليمن، والبحر الأحمر، وبين واشنطن وطهران، لا يمكن قراءته كملفات منفصلة، بل كجبهات مترابطة تتحرك وفق معادلة واحدة، فكل تقدم في جبهة ينعكس مباشرة على الأخرى، وكل طرف يسعى إلى فرض واقع جديد قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.
فما يحدث باليمن يبدو أنه سيغير قواعد اللعبة، فحربها لم تعد مجرد ساحة حرب داخلية، فإعلان الحوثيين توسيع دائرة المواجهة إلى البحر الأحمر، مقابل تشدد الحكومة اليمنية في ملف السيادة واستئناف تصدير النفط، يعكس انتقال الصراع من نزاع محلي إلى مواجهة تمس أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم، فلم يعد باب المندب ممرا تجاريا فحسب، بل تحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية، وأي اضطراب فيه ستكون له انعكاسات تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.
ومن يتابع التصريحات الأميركية الأخيرة فسيكشف عن تحول واضح في قواعد الاشتباك، فواشنطن لم تعد تتحدث عن احتواء الهجمات، بل عن تحميل إيران المسؤولية المباشرة عن تحركات حلفائها، وهذا يعني أن أي هجوم جديد قد لا يقابل برد على الفاعل المحلي فقط، وإنما قد يمتد إلى أهداف إيرانية، وهو ما يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما إيران، فهي تدرك أن ميزان القوة التقليدي لا يصب في صالحها، لذلك تعتمد على توسيع ساحات الاشتباك وربطها ببعضها، فبدلا من خوض حرب مباشرة، تعمل على جعل أي صدام معها مكلفا للجميع عبر شبكة من الحلفاء الممتدة من اليمن إلى العراق ولبنان، ومن هذا المنطلق، لا يبدو تحرك الحوثيين معزولا عن الحسابات الإيرانية، بقدر ما يمثل جزءا من إستراتيجية الردع الإقليمي.
لكن المفارقة أن جميع الأطراف ترفع سقف خطابها العسكري، في حين لا يبدو أن أيا منها يريد حربا شاملة، إلا أن أخطر الحروب في التاريخ لم تبدأ دائماً بقرار سياسي، بل بسوء تقدير، أو حادث ميداني، أو رد فعل تجاوز الحدود المرسومة. ومع غياب مسار سياسي قادر على احتواء التوتر، تصبح احتمالات الخطأ أكبر من أي وقت مضى.
برأيي، المنطقة لا تقف على أعتاب حرب إقليمية حتمية، لكنها دخلت مرحلة أكثر خطورة، مرحلة تتآكل فيها قواعد الردع التقليدية، وتختفي فيها الحدود بين النزاعات المحلية والصراعات الدولية. وإذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية، فإن الشرارة المقبلة قد لا تبقى محصورة في اليمن أو البحر الأحمر، بل قد تتحول إلى اختبار حقيقي لأمن الشرق الأوسط بأكمله، وربما لإحدى أخطر الأزمات الدولية في السنوات الأخيرة.







