عياصره يكتب: تحديد مصدر الخطر ودورها في رسم السياسات الاستراتيجية
د. رامي عياصره
اي دولة تعمل في سياستها على تحقيق المكاسب ودرء المخاطر، وتقف مسألة تحديد مصادر الأخطار على سلم الأولويات، خاصة في مثل هذه الظروف والمعطيات التي يعيشها العالم الذي يتسم بسرعة المتغيرات مع التقدم التقني وانفجار ثورة الذكاء الاصطناعي الذي دخل في جميع المجالات العسكرية والاقتصادية، ما أدى الى اشتداد السباق العالمي في تحقيق التقدم على المنافسين.
عند التدقيق والنظر الى الاستراتيجيات التي تبنيها الدول المتنافسة - أو لنقل المتصارعة - اليوم سنجد اختلافا واضحا في تحديد مصادر الخطر حتى عند المتحالفين أنفسهم، ومن باب أولى عند غيرهم .
للنظر الى المعسكر الغربي ، ما هي نظرته الى مصادر الخطر لديه، امريكا ترى في الصين مصدر الخطر الأول، والمهدد الحقيقي لازالتها عن عرش العالم، بما تمتلكه من إمكانات، وما حققته من تقدم في جميع المجالات، وبناء عليه بنت الولايات المتحدة الامريكية استراتيجيتها على تحجيم الصين ومحاصرتها، للسيطرة على تمددها الناعم في العالم، ظهر ذلك بشكل أكثر جلاء مع وصول ترامب الى البيت الأبيض سواء في فترة الرئاسية الاولى أو الحالية، وتأتي هجمته على فنزويلا أولا ثم على إيران من هذا الباب أولا وقبل كل شيء.
في حين أن حليفة امريكا الأولى في المنطقة وهي "اسرائيل" لا تصنف الصين كمصدر خطر، وانما ايران في ذاتها هي مصدر الخطر الأول على مستوى الاقليم، نظرا لتناقضها الجذري مع المشروع الصهيوني، وعملها الدائم على احاطة "اسرائيل" بحلقة النار ، وسعيها الى إشغالها بحروب عبر الوكلاء خلال العقدين الماضيين، وفتح معارك بالنيابة خوفا من الوصول الى لحظة الصراع العسكري المباشر، بقي هذا الواقع هو المسيطر على العداء المعلن حتى جاءت لحظة السابع من اكتوبر، فرسخت القناعة لدى "اسرائيل" بأن الانشغال بالاذرع الايرانية غير مجدي، وأن لحظة المواجهة العسكرية المباشرة مع ايران قد حانت، فتقاطعت المصالح الامريكية مع الاسرائيلية عند تلك النقطة، و وقعت الحرب على ايران، أمريكا من باب انها جزء من النفوذ الصيني، وبخسارتها ستفقد الصين حليف نفطي مزود للطاقة ذا قيمة مهمة، واسرائيل من باب أنها الخطر المباشر والحقيقي.
ومع طول أمد الحرب على ايران، وعدم القدرة على الحسم العسكري، وحذر أمريكا من تحول الحرب على ايران الى فخ يستنزف طاقتها العسكرية والاقتصادية، ويأتي بمردود معاكس لأهداف الحرب، تعمد أمريكا الى تفضيل المسار السياسي والتفاوضي مع إيران، من خلال مذكرة التفاهم التي انهت الحرب مؤقتا لحين اتمام عملية التفاوض والخروج باتفاق يرضي الطرفين، عند تلك النقطة يظهر التباين بين مصالح أمريكا من جهة، ومصالح "اسرائيل" من جهة أخرى، حيث يرى نتنياهو أن خطر ايران لازال قائما، بل وربما يقوى ويشتد على المدى المتوسط والبعيد، وترجمة لهذا التباين الواضح في المصالح، وكيفية التعاطي مع مصادر الخطر جاءت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي فانس مؤخرا باتهام علني لنتياهو أنه يسعى الى تخريب الاتفاق، وأن ثمة تباين بين مصالح أمريكا والمصالح الاسرائيلية، وعندها فان أمريكا غير معنية سوى بمصالحها.
الكتلة الاوروبية الحليف التقليدي لأمريكا واسرائيل لها رؤية مختلفة في تحديد مصدر الخطر بالنسبة لها، وهي روسيا، خاصة مع اندلاع الحرب في اوكرانيا، واضطراب سلسلة توريد الغاز والنفط الروسي للدول الاوروبية ، اضافة الى اعتبار روسيا كقوة عسكرية هي المهدد الاول للأمن القومي الاوروبي، وبهذا تباينت المصالح الامريكية مع الاوروبية في تحديد الأولويات، وانشغلت امريكا في حشد قدراتها العسكرية والاقتصادية في صراعها ضد الصين، وكشفت ظهر الكتلة الاوروبية من ناحية الحماية العسكرية في مواجهة روسيا، وطلبت من الدول الاوروبية المتمثلة بشكل رئيسي بحلف شمال الاطلسي بأن يقوموا برفع الانفاق الدفاعي والعسكري من 2% الى 5% من الناتج المحلي الاجمالي على مدار السنوات القليلة القادمة، الأمر الذي شكل صدمة للدول الاوروبية بادئ الأمر، قبل أن يستقر في يقينها أن المتغيرات العالمية تحتم عليهم الخروج -ولو جزئيا- من تحت مظلة الحماية الامريكية ، وأنه آن الأوان لاعتمادها على نفسها في هذا السياق.
إذا ما أردنا الحديث عن عالمنا العربي، وخاصة الدول العربية الوازنة والتي تتمتع بقدرات اقتصادية وعسكرية مثل مصر والسعودية تحديدا ، ومعها بقية الدول العربية، ما هو تفكيرها الاستراتيجي في تحديد مصدر الخطر لديها ؟
سيجد المراقب والمتابع أنها تعيش حالة من التوهان وفقدان البوصلة في هذا الأمر البالغ الأهمية والخطورة.
هل المشروع الصهيوني هو مصدر الخطر؟
هل ايران هي مصدر الخطر ؟
أم أن الخطر ينمثل في الدول العربية نفسها، حين ترى بعضها خطرا على البعض الآخر بحكم حالة التشظي والصراعات التي لازالت مفتوحة في دول عربية عديدة مثل السودان وليبيا، بالاضافة لحالة من تنافس النفوذ الاقليمي التي تعيشها دول مثل لبنان والعراق واليمن والصومال في القرن الافريقي ؟
أعتقد ان الاستمرار في حالة التوهان والتشظي تلك ستقود العالم العربي الى مزيد من فقدان القيمة الاستراتيجية حتى عند الدول الحليفة لها، ولا يكفي للدول العربية حالة الانتظار والترقب لما سينتج عن الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران، بل يجب عليها اعادة ترميم مفهوم " الأمن القومي العربي" من جديد ، او العمل على نطاق اوسع من خلال بناء " منظومة أمن قومي في منطقة الشرق الأوسط" تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، ومعها الدول العربية الأخرى مثل قطر، والاردن وسوريا، لبناء حائط صد في وجه المشاريع الأخرى الايرانية او الاسرائيلية المتصارعة في المنطقة، وتعيد صياغة موازين القوى في الاقليم بحيث تكون رقما مهما واساسيا فيها، تحمي فيها مصالحها ومستقبلها، وليست مجرد رقم تابع أو هامشي في معادلة الآخرين.
وربما بدأت ملامح هذا التكتل الاستراتيجي بالتشكل شعورا بأهميته، والتماسا لحجز مقعد متقد في المعادلة الاقليمية، ولاحقا العالمية نظرا لحالة السيولة التي يمر بها الاقليم والعالم.
فهل ستفعلها تلك الدول العربية والاسلامية معها ؟؟







