اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

النابلسي يكتب : النجاح الرياضي... بداية لمسيرة وطنية أشمل

{title}
أخبار الأردن -

 

بقلم : محمد رشدي النابلسي
لا شك أن كل أردني شعر بالفخر والسعادة بما حققه منتخبنا الوطني لكرة القدم من إنجاز تاريخي بالتأهل إلى كأس العالم، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ الرياضة الأردنية. لقد جسّد هذا الإنجاز ثمرة سنوات من العمل والتخطيط، وأظهر حجم الالتفاف الشعبي الكبير حول المنتخب، في مشهد وطني يعكس قوة الانتماء ووحدة الأردنيين خلف راية وطنهم.

وفي الرياضة، كما في الحياة، لا بد من فائز وخاسر، لكن القيمة الحقيقية لا تُقاس بنتيجة مشاركة واحدة، بل بما يتركه الإنجاز من أثر، وما يرسخه من مكانة واحترام. وقد قدم منتخبنا كل ما يملك بروح قتالية عالية، واستطاع أن يلفت أنظار العالم إلى الأردن، وأن يضع اسم الوطن في دائرة الاهتمام الإعلامي والرياضي العالمي، وهو مكسب وطني يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

لكن هذا النجاح يطرح سؤالًا مهمًا: ماذا بعد؟

إن الإنجازات الكبرى لا ينبغي أن تكون محطات مؤقتة، بل يجب أن تتحول إلى نهج وطني مستدام، يقوم على الاستثمار الحقيقي في الإنسان الأردني، ودعم مواهبه في مختلف المجالات. ومن هنا، فإنني أدعو إلى توسيع دائرة الاهتمام الرسمي لتشمل، إلى جانب الرياضة، الفنون والثقافة والإبداع، فهي أيضًا أدوات فعالة لصناعة الحضور العالمي وتعزيز القوة الناعمة للدولة.

لقد كان الأردن، في عقود مضت، منارة فنية وثقافية في المنطقة. وكان الفنان الأردني يحظى بمكانة مرموقة على الساحة العربية، كما انطلقت من التلفزيون الأردني تجارب فنية ساهمت في صناعة نجوم عرفهم العالم العربي. ولم يقتصر التميز على الدراما، بل امتد إلى الشعر، والرسم، والموسيقى، والمسرح، والأدب، والفنون التشكيلية، حيث برزت أسماء أردنية تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي العربي.

كما كان مهرجان جرش للثقافة والفنون نموذجًا عربيًا فريدًا، فلم يكن مجرد منصة للحفلات الغنائية، بل كان مهرجانًا ثقافيًا متكاملًا يجمع المسرح، والشعر، والرواية، والفنون التشكيلية، والباليه، والندوات الفكرية، والمعارض الفنية. وقد قال أحد الفنانين ذات يوم: "من يشارك في مهرجان جرش، فقد نال من الشهرة ما يكفي." وهو وصف يلخص المكانة التي كان يحتلها هذا المهرجان على المستويين العربي والدولي.

ومن هنا، فإن ما تحقق للرياضة الأردنية ينبغي أن يكون نموذجًا يُحتذى به في دعم بقية القطاعات الإبداعية. فالفن والثقافة والرياضة ليست مجالات متنافسة، بل شركاء في بناء صورة الوطن وتعزيز حضوره عالميًا. كما أن مشاركة القطاع الخاص في رعاية هذه المجالات، من خلال الحملات الإعلامية والإعلانية والدعم المؤسسي، ستنعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني، والسياحة، والاستثمار، وستسهم في تقديم الأردن كدولة تمتلك طاقات بشرية مبدعة في مختلف الميادين.

كما أتطلع إلى أن يتبنى الاتحاد الأردني لكرة القدم، بالتعاون مع وزارة الشباب ووزارة الثقافة، مشروعًا وطنيًا لإنشاء مدارس ومراكز متخصصة في مختلف محافظات المملكة، لا تقتصر على كرة القدم فحسب، بل تمتد إلى الفنون، والموسيقى، والرسم، والمسرح، والأدب، لتكون حاضنة حقيقية للمواهب منذ سن مبكرة.

ولا ينبغي أن يبقى اكتشاف المواهب مسؤولية المدارس وحدها، خاصة وأن حصص الرياضة والفنون غالبًا ما تكون أولى الضحايا عند الضغط لإنهاء المناهج الدراسية. وهذا واقع يحتاج إلى مراجعة، لأن التربية الفنية والرياضية ليست مواد ترفيهية أو هامشية، بل هي ركيزة أساسية في بناء شخصية الطالب، وتنمية الإبداع، وتعزيز الثقة بالنفس، وغرس قيم العمل الجماعي والانتماء.

إن تجربة المنتخب الوطني أثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر نجاحًا. وإذا أردنا أن نرى الأردن حاضرًا بقوة على الساحة العالمية، فعلينا أن نؤمن بجميع مواهب أبنائه، وأن نوفر لهم البيئة التي تمكنهم من الإبداع والتميز، سواء كانوا رياضيين، أو فنانين، أو أدباء، أو موسيقيين، أو علماء، أو مبتكرين.

فالأوطان العظيمة لا تُعرف بإنجاز واحد، بل بمنظومة متكاملة تصنع النجاح في كل المجالات، وتجعل من الإبداع أسلوب حياة، ومن الإنسان أغلى استثمار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية