الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع: رسالة إلى القصر الحكومة لا تجيد قفزة الضفدع

{title}
أخبار الأردن -

 

بقلم د. ايمن الخزاعلة

لا يبدو المشهد الأردني خلال الأسبوعين  الماضيين مجرد تراكم اعتيادي للأحداث، بل أقرب إلى لحظة اختبار هادئة لمدى قدرة الدولة على الانتقال من إدارة الاستقرار إلى هندسة التحول. فبين خطاب سياسي يرفع سقف الطموح، وجهاز تنفيذي يتحرك بإيقاع أكثر تحفظاً، تتسع المسافة بين الرؤية وسرعة الإنجاز، في لحظة إقليمية لا تمنح أي اقتصاد هامش التأخير.
في مستوى القيادة العليا، واصل الأردن تثبيت ملامح رؤية تقوم على إعادة تموضعه كمركز صناعي إقليمي، مع تأكيد واضح على تعظيم القوة الناعمة والدور الدبلوماسي المتزن في بيئة إقليمية مضطربة. هذا التوجه يعكس إدراكاً متقدماً بأن الجغرافيا السياسية وحدها لم تعد كافية، وأن الموقع الاستراتيجي يجب أن يُترجم إلى إنتاج اقتصادي وقيمة مضافة حقيقية تعزز مناعة الدولة في مواجهة تقلبات الإقليم. وفي السياق ذاته، جاءت أجندة ولي العهد بوصفها امتداداً عملياً لفكرة الدولة المستقبلية، حيث يتصدر التحول الرقمي والمدن الذكية خطاب التحديث باعتبارهما مدخلاً لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والخدمة العامة. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع إداري لا يزال أسير الإجراءات التقليدية، ما يجعل التحول الرقمي أقرب إلى مسار تدريجي منه إلى نقلة نوعية مكتملة الملامح.
على المستوى الحكومي، برزت جهود إعادة الهيكلة وتوسيع الشراكات التمويلية في التعليم والبنية التحتية، إلى جانب خطوات في الرقمنة الخدمية. لكن الإشكال الأعمق لا يتعلق بحجم النشاط الإداري، بل بنوعيته؛ إذ ما تزال الدولة تتحرك في كثير من ملفاتها بمنطق التحسين التدريجي، لا بمنطق التحول الصادم الذي تعنيه “قفزة الضفدع” في بيئة الاقتصاد الحديث، حيث لا يكفي تحسين الأداء، بل يجب إعادة اختراع طريقة العمل نفسها. ومن هنا يتقدم مفهوم اقتصاد القيمة المضافة ليصبح جوهر النقاش الحقيقي، لا كخيار تنموي، بل كشرط بقاء تنافسي. فالقيمة لم تعد تُقاس بحجم الموارد أو حجم الإنفاق، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل كل مدخل إلى منتج أعلى جودة وأكثر كفاءة وربحية. وفي هذا الإطار، يظل القطاع المالي محورياً، لكنه لا يزال يتحرك بوتيرة أقل من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، خصوصاً الذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر، وتسعير الخدمات، وإدارة البيانات الضخمة.
في المقابل، يواصل الأردن تثبيت حضوره الدبلوماسي بهدوء محسوب في محيط إقليمي بالغ التعقيد، مستنداً إلى رصيد طويل من الموثوقية السياسية. غير أن هذا الدور الخارجي، مهما بلغ من الاتزان، يظل في النهاية امتداداً لقوة الداخل الاقتصادية، لا بديلاً عنها، وهو ما يعيد ربط السياسة الخارجية مباشرة بمدى نضج النموذج الاقتصادي الداخلي.
أمنياً واجتماعياً، تتداخل التحديات التقليدية مع أنماط جديدة أكثر تعقيداً، من تطور أساليب الجريمة إلى تزايد بعض السلوكيات الاجتماعية غير المنضبطة، بما يعكس أن الأمن لم يعد وظيفة مؤسساتية صِرفة، بل منظومة متكاملة تتقاطع فيها الثقافة والتعليم والاقتصاد مع العمل الأمني المباشر. اقتصادياً، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيفية الانتقال من اقتصاد يعتمد على ضخ التمويل والمشاريع إلى اقتصاد ينتج القيمة بشكل مستدام. فالتحدي لم يعد في جذب الاستثمارات فقط، بل في تحويلها إلى سلاسل إنتاج محلية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية وتعزيز الإنتاجية الكلية للاقتصاد، بعيداً عن نمط النمو القائم على الدعم أو المشاريع المنفصلة.
في نهاية هذا المشهد المتداخل، لا يبدو التحدي الأردني مرتبطاً بغياب الرؤية، بل بسرعة تفعيلها داخل بنية مؤسسية ما تزال تتحرك بإيقاع أقل من متطلبات المرحلة. وبين طموح يقود نحو اقتصاد قائم على القيمة المضافة، وجهاز إداري لم يتقن بعد “قفزة الضفدع” المطلوبة للانتقال السريع بين المستويات، يتحدد مستقبل المرحلة المقبلة في قدرة الدولة على تحويل التحسين التدريجي إلى تحول بنيوي فعلي، يعيد تعريف مفهوم التنمية ذاته، ويجعل من الاستقرار منصة انطلاق لا سقفاً نهائياً له.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية