ملكاوي يكتب: السرد التصويري.. كيف نفهمه؟
موفق ملكاوي
مؤخرا، كنت أعطي دورة تدريبية في الكتابة الإبداعية لمجموعة بخبرات متفاوتة من المتدربين، وقد فتحت لي هذه المجموعة العديد من الأسئلة عن الكتابة الإبداعية، خصوصا عن السرد التصويري في مقابل «الحكي»، أو ما اصطلح على تسميته «الإظهار» بدلا من «الإخبار».
أعترف بأنني واجهت تحديات في هذا الأمر، ليس في إيصال فكرة الفرق بين التقنيتين، فشرح المسألة بسيط جدا، ويمكن تقريبه بعشرات الأمثلة. لكن التحدي الحقيقي ظهر في التطبيق العملي للتقنية، فالعقل البشري يميل دائما إلى الاختصار في التعبير، وسلوك أقصر الطرق إلى تمثل المعنى، وهو ما يعادل «الإخبار» في الكتابة الإبداعية، بينما تحتاج تقنية «الإظهار» إلى تمثل الحالة الكاملة للسلوك، ومعرفة صفات الفعل أو الشعور وهيئته، من أجل إظهاره كحالة معاشة لا مجرد تعبير عنها.
يحتاج «الإظهار» إلى بطء مقصود في استعراض الصورة، وانخراط كامل في تمثل هيئة الفعل، ووعي دقيق بالعلامات الصغيرة التي تكشف الشعور قبل تسميته. سياق اللغة السردية يهمل التسمية، ويبدأ من الرؤية التي تسبق الكلمة، فجملة «كان حزينا» لم تبدأ من الكلمات، وإنما من الحالة التي تمثلها العقل لكي يرى في سلوك ذلك الشخص تعبيرا عن الحزن، وهنا بالضبط تكمن الأوصاف الواجب توافرها وتسجيلها لكي تعبر عن الحالة. «كان حزينا» وحدها ستبدو مكتملة كإخبار عن الحالة، ولكنها ستظل تخفي نقصا كبيرا يتمثل في فراغ الشعور قبل أن يعاش، لذلك فإن القارئ يقرأ أو يسمع العبارة، لكنه لا يرى الظل الذي تركته.
الرؤية السابقة للغة تمنحها شرعيتها، فالجملة تولد من تلك اللحظة الخفية التي قرر فيها الكاتب أن ما يراه يساوي الحزن، ما يمثل الفرق بين الإخبار الذي يعلن المعنى، والإظهار الذي يسمح للمعنى بأن يتشكل ببطء داخل وعي القارئ.
لغة الإظهار تفتح نافذة تطل على علاقة مختلفة بين الكاتب والعالم، تبدأ بالتفصيل الصغير وتنتهي بفكرة تتشكل ببطء من خلال رسم الصورة بدلا من الإخبار عنها. والمشكلة تكمن في العادة التي تعلمناها في تسمية الأشياء لتمنح المعنى شكله النهائي بسرعة. لكن حين تتباطأ العين قليلا، يسمح الكاتب لنفسه أن يرى بدل أن يحكم، فتبدأ التفاصيل حينها بالانكشاف.
الكاتب الذي يتعلم العرض يبحث عن العلامة الصغيرة التي تقوده إلى المعنى، ومع تكرار الملاحظة تتحول الرؤية إلى عادة، وتغدو الكتابة فعلا يوميا لا يحتاج إلى جهد كبير عندما يعي المسافة التي تسمح للقارئ بأن يعيش الحدث. إنها الكتابة الحية التي تتحرك الجملة فيها كما تتحرك عدسة غير مرئية، فتبدأ من الخارج، وتقترب من دون إعلان، وهي الفرق بين الاكتفاء بإخبارنا عن الحدث الذي جرى لتوه، مع إبقائنا بعيدين عن الصورة التي كونت الحدث نفسه، وبين جعلنا داخل اللحظة نفسها، مع صورة محفوظة للهيئة التي دخل بها الحدث.
الكتابة لا تحتاج إلى لغة سينمائية صريحة كي تتحرك، فيكفي أن يغير الكاتب المسافة بين كلمة وأخرى ليخلق إيقاعا خفيا، كما لو أنه يجعل النص نفسه يتنفس، فالمشاعر تبدأ بالإشارة إليها، وحين نقول «كان خائفا» نغلق الباب مبكرا، لكن حين نترك الفعل الصغير يتكلم، يفتح النص مسارا أطول.
الإيقاع هنا شريك خفي، فالجمل القصيرة قد تحمل توترا، والجمل الممتدة قد توحي بتردد أو تفكير. الإظهار يقترح إعادة توزيع للزمن داخل الجملة، فالتوازن أساسه السماح للفكرة أن تنمو من داخل المشهد، لا أن يتم فرضها عليه من الخارج.
الأمر الآخر اللافت في كتابة «الإخبار» هو عدم استعانتها بأي مساحة للصمت داخل النص، فهي تقفز دائما إلى المعنى بسرعة، بينما تعتمد الكتابة الإبداعية على المساحات غير المكتوبة بقدر اعتمادها على الكلمات. أحيانا يكون ما لم يكتب أقوى ما في النص، فالوقفة بين سطرين أو المسافة بين جملتين، هي مساحة يدخل منها القارئ ليختبر حواسه كاملة. الحذف في مثل هذه النصوص يشبه تخفيف الإضاءة في غرفة مزدحمة لاستعراض التفاصيل من قرب.
التقنية، بلا شك، تحتاج تدريبا وممارسة دائمة من أجل إتقانها. ومع الوقت، سيعتاد الكاتب على رؤية العالم بهذه الطريقة تلقائيا، لتتحول إلى رمز خفي للأسلوب نفسه، وطريقة خاصة للنظر لا يمكن تقليدها بسهولة.







