كراجة يكتب: الصهيونية المسيحية وليس المسيحية الصهيونية
سائد كراجة
قُل: «الصهيونية المسيحية» ولا تقل: «المسيحية الصهيونية»؛ لأن التصهين لم يلحق بالمسيحية كلها، بل بأحد التيارات داخل البروتستانتية الإنجيلية، وهو تيار لاهوتي طوّره القس الإيرلندي جون نلسون داربي في القرن التاسع عشر عبر ما سُمّي بـ»التدبيرية».
وهي رؤية تقسّم التاريخ إلى مراحل «إلهية» تمهّد لعودة السيد المسيح — عليه السلام — وهي سبع مراحل، منها كما فسّروا: عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى. وقد انتشر هذا التيار في الولايات المتحدة خصوصًا عبر «إنجيل سكوفيلد»، وهي نسخة من الإنجيل أُضيفت إليها شروح وهوامش لاهوتية اختلطت في وعي العامة بالنص المقدس نفسه، حتى تحوّلت التدبيرية، ولا سيما فكرة عودة اليهود إلى فلسطين، من اجتهاد حرفي محدود إلى ثقافة دينية سياسية واسعة التأثير في المجتمع الأميركي.
واليوم يُقدَّر عدد الصهاينة المسيحيين في الولايات المتحدة بأكثر من عدد اليهود في العالم أجمع. في المقابل، فإن المذاهب المسيحية التقليدية الكبرى— الكاثوليكية والأرثوذكسية، وأغلب الكنائس البروتستانتية — لا ترى الوعود الإلهية وعودًا قومية عرقية دائمة لليهود، بل تفهمها فهمًا روحيًا؛ فالكنيسة عندهم هي الامتداد الروحي للعهد، وأورشليم الأرضية ليست إلا رمزًا لأورشليم السماوية.
لذلك رفض اللاهوت المسيحي في أغلبه تحويل النبوءات إلى مشروع جيوسياسي استيطاني قومي. وفي القرآن الكريم نُقض أي احتكار قومي أو ديني للأرض بقاعدة قيمية واضحة:
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
فالأرض ليست لعرقٍ ولا لملّة، بل للصلاح والعدل. لكن الصهيونية المسيحية ما كانت لتنتشر لولا أن أوروبا الاستعمارية وجدت فيها وقودًا دينيًا لمشروعها في المنطقة؛ فالسيطرة على الثروات والممرات البحرية والبرية في الشرق الأدنى والأوسط كانت جوهر مشروعها الاستعماري.
وحتى قبل هرتزل ومؤتمر بازل، ها هو نابليون، في حملته على عكا سنة 1799، يوجّه نداءً إلى اليهود يقول فيه:
«أيها الورثة الشرعيون لفلسطين… انهضوا واستعيدوا مكانكم بين الأمم».
وسواء أكان النص دعاية سياسية أم وثيقة أصلية، فإنه يكشف مبكرًا عن توظيف الفكرة اليهودية في المشروع الإمبراطوري الاستعماري الأوروبي. ثم جاء المبشّر الأميركي ويليام يوجين بلاكستون، وهو من أبرز دعاة الصهيونية المسيحية، فرفع عريضته الشهيرة سنة 1891 إلى الرئيس الأميركي قائلًا: «إذا كانت بلغاريا للبلغار وصربيا للصرب، فلماذا لا تُعاد فلسطين إلى اليهود؟».
وانتهى الأمر بوعد بلفور وتهيئة إسرائيل لتكون قاعدة دفاع متقدم للمشروع الأنجلو- أميركي للسيطرة على المنطقة: «تنظر حكومة جلالة الملك بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين».
ثم يذكر الفلسطينيين بوصفهم: «الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين».
أي إن شعبًا كاملًا قد جرى اختزاله سياسيًا ولغويًا إلى مجرد «غير يهود». وهكذا يتبيّن أن الأفكار الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية السياسية، وأسهمت في تهيئة البيئة الفكرية والسياسية لانتصارها.
فهرتزل، العلماني القومي، وجد دعمًا كبيرًا من القس البريطاني ويليام هشلر، الذي فتح له أبواب السياسة الأوروبية إيمانًا منه بأن المشروع الصهيوني يحقق النبوءات التوراتية، وكان سفيرًا لبريطانيا في النمسا. وكما قال عبد الوهاب المسيري: إن الصهيونية أداة وظيفية للمشروع الاستعماري؛ بدأت صهيونية مسيحية، ثم صهيونية يهودية علمانية، ثم تحوّلت إلى صهيونية دينية يمينية متطرفة.
واليوم نشهد أيضًا محاولات لإنتاج صهيونية عربية وإسلامية تُوظَّف فيها بعض الخطابات الدينية لخدمة مشاريع التطبيع والهيمنة. أما المسيحية العربية والفلسطينية، فقد بذلت دمها على صليب النضال من أجل فلسطين، وتحرير الأرض والإنسان، وأحرار العالم من مسيحيين ويهود يحملون اليوم لواء تغيير مواقف الشعوب في أوروبا وأميركا لصالح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، بعد أن حمل دم غزة هذه القضية إلى العالم. آن الأوان لميثاق دولي يجرّم توظيف الدين والتأويلات المتطرفة لتبرير الاحتلال والهيمنة على الشعوب ومقدّراتها، على غرار معاهدات حظر أسلحة الدمار الشامل.
فحقوق الأمم تُصان بمبادئ العدالة وحق تقرير المصير، لا بنبوءات تُستدعى لتسويغ الحرب وابتلاع الأرض.
ودم غزة الذي أيقظ ضمير العالم يستحق أن يُترجم إلى معاهدة دولية، لا أن يبقى مجرد صورة عابرة على الشاشات، جنابك.







