ملكاوي يكتب: ما كل هذا الحقد على سورية!

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


منذ أن أطاحت الثورة السورية بحكم آل الأسد، انقلبت بلدان وجماعات وميليشيات وفلول ومرتزقة على سورية كلها، بما فيها من جغرافيا وبشر وتاريخ، كونها انتزعت نفسها من تحالف واضح باع نفسه للشيطان تحت لافتة خادعة اسمها «الممانعة».
 

يبدو أن كثيرين لا يصدقون أن السوريين طووا ورقة حكم آل الأسد، وما يزالون ينتظرون ويأملون بانهيار الحكم الجديد، لكي تعود المرتزقة إلى سابق عهدها في أن تعيث فسادا وتخريبا في سورية. لا أحد يصدق أن السوريين بدأوا ببناء دولتهم بعيدا عن مصالح الآخرين. قد يخطئون في سياق هذا البناء، وربما يصيبون كثيرا، لكن ذلك شأنهم، ويجب علينا أن نحترم رغبتهم، لا أن نعمل على إفشال جهودهم.
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالمخطط الإرهابي الذي أحبطته السلطات السورية مؤخرا، والذي كان يستهدف تنفيذ تفجيرات وعمليات تخريبية في مدن عديدة، يتعدى منطق المعارضة الكلامية نحو العبث بالأمن والاستقرار السوري الذي يتم بناؤه اليوم، لفرض الفوضى في الجارة الشمالية، وتخفيف الضغط على دول وميليشيات اختارت بناء قوتها على حساب أرواح سكان المنطقة.
وبعد كل ذلك، يأتي من يلوم السوريين على تعبيراتهم الصريحة عما يجري من حرب بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، منتقدا لا أباليتهم، أو فرحهم بتجرع خصومهم وأعدائهم الكأس نفسها التي أذاقوها لهم.
جراح السوريين الكثيرة ما تزال نازفة، ولا بد من أن يأخذ الوقت مداه لكي يستطيعوا التعامل مع إبادة بالحجم الذي اختبروه. لذلك، فالموقف الذي يعلنه كثير منهم تجاه ما يحدث في إيران والجنوب اللبناني، هو رد فعل طبيعي تماما على ما اختبروه على أيدي إيران ووكلائها ومرتزقتها. قد لا يستسيغ البعض مثل هذه المواقف، وقد لا تكون هي الواجب أن تسود في محيط يفترض التضامن بين الدول. لكن، كيف يمكن أن نتذكر تضامن إيران مع محيطها، والجرائم التي نرى أنها لا تقل عن جرائم الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين والعرب. 
مجازر إيران من الصعب أن يطويها النسيان، فقد تنوعت بين القتل الجماعي، والحصار والتجويع، والتهجير القسري، والتغيير الديموغرافي عن طريق تهجير ملايين السوريين، واستقدام وافدين جدد من أفغانستان والهند وباكستان وغيرها، وإحلالهم في الجغرافيا السورية بدل أهلها.
مجازر داريا، رسم النفل، العتيبة، الآبار، مضايا والزبداني والحولة، القصير والغوطة الشرقية، كلها ما تزال ندية الجرح، وتؤرق ذاكرة السوريين الذين تعرضوا للقتل الممنهج في عمليات إبادة اتسمت بطابع طائفي، وهم ما يزالون حتى اليوم يطالبون بالعدالة للأرواح التي أزهقت باستخفاف كبير على يد الحرس الثوري الإيراني الذي تولى تدريب وتشكيل ميليشيات محلية وأجنبية شاركت في القتل والقصف والإبادة، ثم يأتي من يصم السوريين والمتعاطفين معهم بالطائفية لأنهم لا يستطيعون نسيان تلك الجرائم، بينما يتجاهل أولئك، عامدين، عشرات آلاف السوريين الذين ما يزال مصيرهم مجهولا، ولا يعرف أهم أحياء أم غيّبتهم الإبادة في السجون العلنية والسرية.
ولعل أكثر ما يثير الضحك والسخرية، هم أولئك الذين «يتنكرون» في ثياب المثقفين، وينتقدون عدم الوقوف إلى جانب إيران في حربها ضد أميركا والكيان، بدعوى أن إيران دولة أصيلة في المنطقة، بينما الولايات المتحدة والكيان دولتان دخيلتان، كما لو أن في ذلك ما يكفي من التبرير لإطلاق يد الدول «الأصيلة» لترتكب ما تشاء من المجازر، بينما يبقى من الواجب السجود تحت رغباتها الدموية، وتطلعات الهيمنة الخاصة بها.
هذا المنطق المريض يفترض، أيضا، أنه إذا لم تقف مع إيران فأنت بالضرورة مع إسرائيل، وهو منطق يعبر عن معادلات صفرية لعقل لا يؤمن بحرية التفكير، ويريد على الدوام أن يكون تابعا لا مستقلا في تفكيره وخياراته. إنها الجبرية التي لا تترك هامشا للإنسان لممارسة ذاته وقناعاته بعيدا عن التخوين والطرد من الرحمة، بينما العقل يؤكد أنه ليس علينا الاختيار بين كيانين مجرمين لم يتركا موبقة إلا اقترفاها.
السوريون يعلنونها صراحة أنه لا يهمهم ما تتعرض له إيران اليوم، لأن التاريخ لا يمكن تجزئته، وإن أردتم أن يعود السوريون متسامحين كما كانوا دائما، فحققوا لهم العدالة، وقدموا للمحاكمة كل من اشترك في المجازر تجاه إخوانهم، خصوصا أولئك الذين يتغنى الأغبياء بطهرانيتهم المزيفة، وإلا فاتركوا السوريين لينفثوا غضبهم في وجه هذا العالم الذي راقب مذبحتهم لأكثر من ثلاثة عشر عاما من دون أن يرف له جفن.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية