القس سامر عازر يكتب: لسان حال الأردنيين: أبشِر يا سيدنا أبو حسين
القس سامر عازر
أكثر كلمة وردت في الخطاب السامي لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم في عيد الاستقلال الثمانين هي كلمة «الوطن»، وكأنّ جلالته أراد أن يؤكد ما يحمله هذا الوطن من قداسةٍ وتاريخٍ وأصالةٍ وقيمٍ وحضارةٍ ورسالةٍ إنسانيةٍ نبيلة، الأمر الذي يتطلب منّا جميعًا أن نعمل على الحفاظ عليه وصونه. فهو أمانة عهدٍ بين القائد والشعب، وقد أقسمنا على الحفاظ عليه، وعاهدنا الله أن نحميه بحدقات عيوننا وأن نفديه بدمائنا، فهو كرامتنا وعزّنا وفخرنا، ولا وطن لنا سواه، وسيبقى على الدوام قبلتنا وملاذنا.
وهذا ما يشكّل معنى عيد الاستقلال بمفهومه الثنائي؛ فمسيرته التي حُفرت بالعرق والدم شيّدت وطنًا شامخًا، عزيزًا، كريمًا، آمنًا، مطمئنًا، وواجبنا المقدس أن نحافظ على استقلاله ليكون أكثر قوةً ومنعةً واستقرارًا، رغم كل التحديات التي تحيط بنا، وأن نعمل على تحويل هذه التحديات إلى فرصٍ للنجاح والإبداع والإنجاز.
فمن واجبنا أن نواصل مسيرة البناء من خلال العمل على صناعة المستقبل، فلا ينبغي أن يثنينا شيء عن بناء مستقبلٍ يليق بأبنائنا، ويوفر لهم حياةً كريمةً وآفاقًا زاهرةً يحققون من خلالها طموحاتهم. لذلك، فإن الاستقلال ليس احتفاءً بما أنجزناه فقط، بل أيضًا بما يمكن إنجازه، إذ نملك شأنًا عظيمًا من القَدَر والقُدرة.
وقد راهن جلالة الملك في خطابه على الشباب الأردني، باعتبارهم طاقة الوطن المتجددة وأمله الدائم، فهم القادرون على حمل الرسالة ومواصلة مسيرة الإنجاز بعلمهم وإبداعهم وتمسكهم بقيم الانتماء والولاء. فالشباب الأردني لم يعد مجرد امتدادٍ للماضي، بل شريكٌ حقيقي في صناعة المستقبل، وحاملٌ لأمانة البناء والتطوير والتحديث.
فقدَرُنا عالٍ بما تزخر به بلادنا من قدسيةٍ وبركة، حيث تعمّد السيد المسيح في نهرها، وعلى أرضها عاش العديد من الصحابة والتابعون، كما أن قَدَرُنا كبير بما نحمله من إرثٍ إنسانيٍّ وحضاريٍّ تراكم عبر آلاف السنين، وقدّم للعالم أروع الدروس في الصمود والمنعة وقبول التحديات، فضلًا عن القيم الروحية والأخلاقية التي أرست قواعدها الديانات السماوية على هذه الأرض المباركة.
فالأردن لم يكن يومًا مجرد وطنٍ جغرافي، بل رسالة اعتدالٍ وإنسانية، وصوت حكمةٍ وتوازنٍ في محيطٍ مضطرب. وقد استطاع، بقيادته الهاشمية الحكيمة ووعي شعبه، أن يرسّخ نموذجًا في الوئام الديني والعيش المشترك واحترام التعددية، حتى غدا واحة أمنٍ واستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات.
أما قُدرُتنا، فهي عظيمة بعظَمة الأردنيين وشهامتهم ونبلهم وكرمهم وعطائهم السخي. فبأس الأردنيين شديدٌ لا يلين، وعزيمتهم لا تخور، وثقتهم بالله ثم بأنفسهم كبيرة. وكيف لا يكون الرهان على مثل هذا الشعب الأصيل والعتيد والثابت على مبادئه وقيمه؟ فما وُلد من رحم هذه البلاد الأصيلة والمقدسة لا يُهزم ولا ينكسر، بل يبقى قادرًا على خدمة وطنه وأمته بما يمتلكه من عقيدةٍ إيمانيةٍ راسخة، وروحٍ عروبيةٍ صادقة، واستعدادٍ دائمٍ للعطاء والتضحية.
ولا يمكن الحديث عن قوة الأردن ومنعته دون التوقف بكل فخر أمام تضحيات الجيش العربي والأجهزة الأمنية، الساهرين على أمن الوطن واستقراره، والحاملين لرسالة الوفاء والانتماء، والذين أثبتوا على الدوام أنهم الدرع الحصين الذي يحمي الوطن وحدوده ويحفظ مسيرة التنمية والديموقراطية.
خطاب جلالة الملك المفعم بالثقة واليقين بشعبه الوفي وبهذا الوطن الذي لم يَخذل أهله أبدا، يجعل
لسان حال الأردنيين يقول: أبشِر يا سيدنا أبو حسين، فنحن شعبك الوفي نفتخر أننا أبناء عائلتك الأردنية الكبيرة التي لن تخذلك، ولن تخذل الوطن. فقد تربّينا على حب الوطن الأغلى، وعلى الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، مؤمنين بأن هذا الوطن وُلد ليبقى وطنًا مقدامًا، واثق الخطى، يعرف نفسه وخياراته، وقادرًا على تجاوز الصعاب وتذليل التحديات، مهما عظمت.
أبشر يا سيدنا أبو حسين، فأكتافنا العراض لن تصغر أبدا!







