خطاطبة يكتب: بلا وجهة بلا يقين

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


قد يصل المرء إلى قناعة بأن فترات الراحة والطمأنينة قد ولّت، وكأنه يعيش في المجهول، حينها يصل إلى حالة من العجز التام، لا يستطيع معها التحمل أكثر، ومن ثم تنطفئ معها طاقته، وتتلاشى أحلامه وطموحاته. تلك ضغوط الحياة، التي تُجبر المرء على الوصول إلى درجة يُصبح همه الوحيد أو الرئيس يتمثل بأنه يرنو إلى الانعزال، أو لنقل بمعنى ثانٍ “ترك الجمل بما حمل”، إذ يُصبح لديه قابلية للاستغناء عن كُل شيء، والمضي في عالم لا أحد يعلم نهايته، إلا العظيم جل في عُلاه.
 

لقد وصلتُ إلى ذلك الشعور، وذاك الإحساس، وتلك المرحلة التي صار معها كُل شيء مُتساويًا، ويا ليت المُشكلة تقف عند هذا الحد؛ فعندما تُقرر الرحيل أو الابتعاد- سمه ما شئت - يتوجب عليك الإجابة عن السؤال الآتي: “إلى أي جهة تذهب؟ وأي شخص تقصد أو تُريد؟”.
والسبب يكمن في أن مُعظم الناس باتوا يشبهون بعضهم بعضًا، أو لنقل بإنصاف إنهم أصبحوا “أشباه نسخة واحدة”، وما ينطبق على البشر يسري أيضًا على الأماكن التي أصبحت في مُجملها مُتشابهة.هُنا، تكمن المُشكلة الكُبرى والخوف الأعظم؛ حين تتخذ قرارًا يقضي بالوقوف في مكانك، فلا تجرؤ على التقدم خُطوة إلى الأمام أو التحرك يمينًا أو يسارًا، وتتجنب الرجوع إلى الخلف، وتظل تائهًا لا تعرف وجهتك، ولا تدرك غايتك، ولا تقبل بواقعك الحالي.
وعندما يصف البعض هذا الشخص بالضعف، يكون الرد: أبدًا؛ فربما اعتاد في الماضي أن يحمل أكثر من طاقته، وفي كُل مرة كان يتعرض فيها للتعثر أو الانتكاس، كان ينهض من جديد وكأن شيئًا لم يكن.. وهُنا تبرز مُشكلة ثانية: إلى متى سيبقى قادرًا على التحمل؟ وهل تستحق الأطراف الأُخرى ذلك في المُقابل؟ وهُنا، ينشأ في داخل المرء حرب جديدة، يتردد صداها بين الرغبة في التظاهر بالقوة أو الاعتراف بالإنهاك أو التعب؛ إذ يجد نفسه عاجزًا عن التحمل أكثر، أو بالأحرى، قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها راغبًا في التحمل أكثر. ثم يُعاود الضحك على نفسه مُجددًا، ويُحاول “تهوين” الأمور بإقناع ذاته بأن ما حدث أصبح أمرًا عاديًا، وأنه ما يزال قادرًا على التحمل والعطاء، أو لديه الاستطاعة على إعطاء المزيد، مُتعللًا بأن “الناس قد تتغير”.. لكن صوته الداخلي يُحذره بأنه سئم التوقعات الخاطئة أو الخائبة أو غير الصائبة، ويبدأ يشعر بمرارة الانتظار لشيء لا يأتي. والخوف هو أن يصل إلى مرحلة يوقن معها أنه سوف يُعاود القيام والنهوض، ويرجع قويًا كما كان، ويُقدم فوق استطاعته لمن حوله، أو أكثر مما تُطيقه قُدرته.. وعندها يسمع صوتًا داخليًا يقول له: لماذا تقوم في كُل مرة، وأنت لست على طبيعتك؟ وكأنك تتعمد التضحية بجُزء من شخصيتك أو طيبتك أو عفويتك.
حياة خالية من الألم أمر مُستحيل، وهي حقيقة يُدركها جميع البشر ويتعايشون معها ومُتيقنين منها، لكن ذلك الشخص يُريد فقط حياة بلا خذلان، وقد بات أمله مُقتصرًا على ألا يأتيه الألم من أشخاص كانوا يُمثلون له الأمان.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية