العايدي يكتب: أزمة الخطاب الإسلامي (1): دوائر الخطاب الديني- قراءة تأسيسية

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


ليست أزمة الخطاب الإسلامي في نقص المعاني، أو فقر النصوص، بل في الخلط بين دوائر الخطاب، عندما يغيب الوعي بمراتب الخطاب وغاياته، حيث إنّنا لم نحسن التمييز بين خطاب يراد به التكليف، وخطاب يراد به الإقناع، وخطاب يراد به بناء العلاقات، وحين تختلط هذه المقاصد، يتحول الخطاب من أداة هداية وبناء، إلى مصدر توتر واضطراب.
 

إنّ الخطاب الديني- في بنيته القرآنية العميقة- لا يقدم خطابًا جامدًا موحدًا، بل يتنوع في دوائره المتدرجة، فتتسع من الخصوصية إلى العالمية، ومن الهوية إلى الإنسانية، فيخاطب الناس مرة، ويخاطب المؤمنين أخرى، ويخاطب العالمين ثالثة وهكذا، هذه الدوائر ليست تقسيمًا نظريًا، بل هي انعكاس لطبيعة الإنسان نفسه، وموقعه، وانتمائه، وسياق علاقته.
ففي الدائرة الأولى يتجلى «الخطاب التكليفي»، ويراد به ضبط السلوك، وتنظيم الحياة للجماعة المسلمة، فيضبط علاقتها بذاتها، وفق الأحكام التكليفية، والالتزامات العملية، وهو بطبيعته خطاب تأسيسي مبني على التسليم والانقياد، يبني النظام، ولكنه لا يوجه ابتداء لإدارة العلاقة مع غير المسلمين، فهو ليس معدًا بطبيعته ليكون لغة كونية يخاطب بها العالم كله، بل لتكوين الداخل وضبطه، لأنّه يفترض أرضية من المسلمات لم تتحقق بعد خارج هذه الدائرة، إذ لا يعقل أن تفرض تفاصيل الشريعة على من لم يدخل في بنيتها الإيمانية أصلًا، ولذا هذا الخطاب يكون لمن التزم بهويته، واختار الانتماء إليها.
ثم تأتي دائرة أوسع هي «الخطاب العقلاني»، وهو خطاب لا يقتصر على المسلمين وحدهم، بل يتسع ليشمل كل من يشترك في أصل الإيمان بالله، من أهل الديانات السماوية، في هذه الدائرة ينتقل الخطاب من الإلزام إلى الإقناع، ومن تقرير الأحكام إلى إثارة الأسئلة، هنا لا يراد بالخطاب إثقال المخاطب بالتكاليف، ولا يركز فيه على تفاصيل الأحكام، بل على الأصول المشتركة، والقيم الكبرى، التي يمكن أن تبنى عليها مساحات من الفهم والحوار والتقارب، خطاب يدعو إلى فتح أفق التفكير والتأمل، وإلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى عن الوجود وغايته، ومعنى هذا الكون، إنّه خطاب العقل والوجدان معًا، الذي يؤسس لحوار يتجاوز الجماعة، إلى كل من يشترك في البحث عن الحقيقة، دون أن يفرض عليه نتائج جاهزة، قبل أن يسلك طريق التفكير، هنا ينتقل الخطاب من ضبط الهوية إلى بناء الجسور، التي يلتقي عندها المؤمنون على اختلاف شرائعهم.
ثم تنفتح الدائرة إلى أفقها الأوسع، في «الخطاب الإحساني» أو الإنساني، وهو خطاب لا يبنى ابتداء على الانتماء الديني، بل على الانتماء الإنساني، هنا يخاطب الإنسان بما هو إنسان، في هذا الخطاب لا يركز على التكاليف ولا على الحدود، بل على القيم، فيدعو إلى العدل، والرحمة، والبر، والتعاون على الخير، والإحسان إلى الخلق جميعهم، ويجعل من هذه القيم مجالًا للتفاعل مع العالم كله، وهذا الخطاب هو الذي تتجلى فيه عالمية الإسلام، بأوضح صورها، لا بوصفها دعوة لفرض الاعتقاد، بل بوصفها قدرة على تقديم نموذج أخلاقي إنساني فريد، يتسع للإنسانية كلها، ويفتح مساحات للتواصل والتعاون والتعارف، وكلما اتسعت دائرة الخطاب اتسعت معه المفاهيم، لأنّ الخطاب عندئذ ينتقل من ضبط الذات، إلى احتواء الآخر، ومن تعريف الهوية إلى بناء العلاقة، وليس في هذا التوسع تخلٍ عن الغاية الكبرى للدين وهي الهداية، بل هو إعادة ترتيب لطرق الوصول إليها، فليس كل مقام يصلح معه فرض لغة التكليف أو العقل، بل قد يكون مدخل القيم، ونشر الخير، هو الطريق الأقرب لفتح القلوب، والأكثر تأثيرًا في إيصال المعاني، دون إكراه أو تصادم، حيث يتحول الخطاب إلى ممارسة وحضور أخلاقي، يرى فيها العالم القيم والأخلاق، قبل أن تفرض الأحكام.
إنّ الخلل الذي نعيشه اليوم لم ينشأ من ضعف هذه الدوائر، بل من خلطها، حين يخاطب الخارج بلغة الأوامر، أو يخاطب الداخل بلغة عامة تفقده تماسكه وهويته، فنبدو حينًا متشددين، لأنّنا نقلنا خطاب التكليف إلى غير موضعه، ونبدو حينًا متساهلين مائعين، لأنّ العالمية لا تعني أن نتخلى عن خصوصيتنا، ولا في أن نفرضها على غيرنا، بل في أن نقدمها في صورتها المتوازنة، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أعطي كل خطاب غايته، وكل دائرة مساحتها، وعندئذ فقط يصبح الخطاب الإسلامي قادرًا على الخروج من أزمته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية